واشنطن- “القدس العربي”: يرى الباحث إيفان ساشا شيهان، المدير التنفيذي لكلية الشؤون العامة والدولية في جامعة بالتيمور، أن التطورات العسكرية والسياسية الأخيرة في المنطقة، خصوصًا ما يُعرف بعملية “الغضب الملحمي”، أعادت رسم ملامح التحالفات الاستراتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط بشكل لم يتوقعه كثير من المحللين.
ويشير الكاتب في مقال رأي نشرته مجلة نيوزويك إلى أن بعض الشكوك التي أُثيرت حول شركاء واشنطن الإقليميين، خصوصًا قطر، تبدو اليوم أقل واقعية في ضوء التطورات الميدانية الأخيرة.
قطر في قلب المعادلة الأمنية
يرى شيهان أن قطر، الدولة الخليجية التي لطالما عُرفت بدورها الدبلوماسي المرن، أثبتت قدرتها على التعامل مع الضغوط خلال التصعيد العسكري الأخير ضد إيران. ويقول الكاتب إن سلوك الدوحة خلال تلك المرحلة يُظهر ما يشبه “الصلابة تحت الضغط”، ويعزز موقعها كحليف يمكن الاعتماد عليه في ظروف الحرب الفعلية.
ويضيف أن الانتقادات الموجّهة لقطر بشأن علاقاتها مع بعض الفاعلين غير الحكوميين يجب أن تُقرأ في سياق عملي ومقارن، وليس بشكل تجريدي أو نظري، معتبرًا أن كثيرًا من هذه الانتقادات لم تعد تعكس الواقع الحالي أو تقييمات استخباراتية دقيقة.
اختبار التحالفات تحت النار
ويؤكد المقال أن الاختبار الحقيقي لأي تحالف خارجي هو كيفية تصرّف الدول عند اندلاع الحرب، وليس في النقاشات النظرية أو الأوراق البحثية.
ويستعرض الكاتب هجومًا صاروخيًا إيرانيًا وقع في 23 يونيو/ حزيران 2025 استهدف قاعدة “العديد” الجوية التي تُعدّ مقرًا متقدّمًا للقيادة المركزية الأمريكية قرب الدوحة، وذلك عقب ضربات أمريكية وإسرائيلية على البنية النووية الإيرانية.
وبحسب المقال، لم تتراجع قطر أو تتردد، بل قامت قواتها بالتنسيق مع القوات الأمريكية بتفعيل أنظمة دفاع جوي متعددة الطبقات، وتمكنت من اعتراض التهديد بالكامل دون وقوع أي قتلى من العسكريين أو المدنيين، فيما عادت القاعدة للعمل خلال ساعات.
ويشير الكاتب إلى أن هذا النجاح لم يكن صدفة، بل نتيجة استثمارات قطرية تجاوزت 8 مليارات دولار منذ عام 2003 في أنظمة الدفاع والتدريب المشترك والبنية التحتية العسكرية مع الولايات المتحدة، وفق وزارة الخارجية الأمريكية.
رسالة إلى طهران وإعادة تموضع إقليمي
ويضيف المقال أن الهجوم الإيراني كان يستهدف اختبار مدى هشاشة الوجود العسكري الأمريكي في الخليج عبر استهداف شريك سيادي، إلا أن النتيجة جاءت عكسية، حيث أظهرت العملية صلابة الشراكة الدفاعية بين واشنطن والدوحة.
ويرى الكاتب أن هذا التطور بعث برسالة واضحة إلى المنطقة مفادها أن قطر لن تخضع للترهيب، وأن الوجود العسكري الأمريكي في الخليج أكثر تماسكًا مما كان يُعتقد في حسابات طهران.
جدل داخلي في واشنطن حول التسليح
ويتطرق المقال إلى الجدل داخل الكونغرس الأمريكي، مشيرًا إلى محاولة مجموعة من الديمقراطيين منع صفقة تسليح بقيمة 1.9 مليار دولار لقطر، شملت طائرات مسيّرة متقدّمة من طراز MQ-9B، وهي خطوة فشلت في التصويت.
ويعتبر الكاتب أن هذا الجدل يعكس نمطًا متكررًا في السياسة الأمريكية، حيث تتقاطع الحسابات الداخلية مع احتياجات الأمن القومي في توقيت حساس، ما قد يضعف قدرة الحلفاء على الدفاع عن المصالح المشتركة.
دور قطر الدبلوماسي والوساطة
ويؤكد شيهان أن أهمية قطر لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى دورها كوسيط دبلوماسي محوري للولايات المتحدة في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا.
ويشير إلى أن استضافة الدوحة لمكتب سياسي لحركة حماس، رغم الجدل حوله، وفّرت قناة تواصل غير مباشرة لواشنطن مع أطراف لا يمكن التعامل معها بشكل مباشر بسبب تصنيفها منظمات إرهابية.
كما يلفت إلى أن قطر لعبت دورًا في تسهيل قنوات تفاوض معقدة استجابت فيها لطلبات أمريكية في ملفات شائكة، رغم الضغوط الدولية التي تعرّضت لها.
البعد الاقتصادي والاستراتيجي
ويضيف الباحث أن قطر تواجه تحديات اقتصادية نتيجة اضطرابات إقليمية أثرت على قدرتها في قطاع الغاز الطبيعي المسال، مع تراجع بنسبة 17% في بعض القدرات الإنتاجية، لكنها لم تتراجع عن التزاماتها.
كما يشير إلى أن موقع قطر كمصدر رئيسي للغاز وامتلاكها احتياطيات ضخمة يجعلها لاعبًا محوريًا في المنافسة العالمية على البنية التحتية للطاقة، بما في ذلك مجالات الذكاء الاصطناعي التي تعتمد بشكل متزايد على الطاقة الرخيصة والمستقرة.
خلاصة
ويخلص الكاتب إلى أن الشراكة بين الولايات المتحدة وقطر تتعزز بدل أن تتراجع، معتبرًا أن قدرة الدوحة على العمل كوسيط في بيئات معقدة ومتخاصمة تجعلها شريكًا لا يمكن الاستغناء عنه في الاستراتيجية الأمريكية.
ويرى أن قطر نجحت في تحويل موقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها السياسية إلى نفوذ دبلوماسي واستراتيجي مستدام، وهو ما يجعلها، بحسب المقال، عنصرًا أساسيًا في إدارة التوازنات الإقليمية التي تعتمد عليها واشنطن في الشرق الأوسط.
- القدس العربي
























