على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسيّ، قدّم الرئيس السوريّ أحمد الشرع مقاربة سياسيّة دقيقة لملفّ الجولان والعلاقة مع إسرائيل تقوم على الجمع بين مستويَين متوازيين: التشديد على أنّ الجولان أرض سوريّة محتلّة لا يملك أحد حقّ التنازل عنها، مقابل الانفتاح على ترتيبات أمنيّة مرحليّة إذا كانت تقود إلى خفض التصعيد وإعادة إسرائيل إلى خطوط عام 1974.
بهذه المعادلة، بدا الشرع حريصاً على رسم حدٍّ فاصل بين ما يمكن قبوله بوصفه إجراءً أمنيّاً مؤقّتاً، وبين أيّ مسار قد يُفهم باعتباره تسليماً بالأمر الواقع الذي تسعى إسرائيل إلى فرضه في الجولان.
في هذا السياق، لم يكن وصف الشرع اعتراف الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بسيادة إسرائيل على الجولان بأنّه “باطل” تكراراً للموقف السوريّ التقليديّ أو استعادةً لعبارة قانونيّة مألوفة، بل حمل دلالة سياسيّة مباشرة تتّصل بسقف التفاوض نفسه. الرسالة هنا أنّ الإدارة السوريّة الانتقاليّة يمكن أن تتعامل مع وقائع أمنيّة وضغوط ميدانيّة معقّدة، لكنّها لا تستطيع أن تمنح شرعيّة سياسيّة لضمّ الجولان ولا أن تقبل بتحويل أيّ تهدئة أو تنسيق محدود إلى مدخل للاعتراف بالسيادة الإسرائيليّة على أرض لا يزال المجتمع الدوليّ يعدّها أرضاً سوريّة محتلّة.
باريس: تنسيق أمنيّ لا تسوية سياسيّة
من هذه الزاوية، يمكن فهم الدلالة الضمنيّة لتصريحات الشرع في ما يتعلّق بالاجتماع المغلق الذي عُقد في باريس في 6 كانون الثاني 2026، بوساطة أميركيّة، وحضره مبعوث الرئيس ترامب ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، إلى جانب مسؤولين سوريّين وإسرائيليّين. عقب ذلك الاجتماع، أُعلن التوافق على إنشاء آليّة اتّصال وتنسيق في ملفّات الأمن والاستخبارات وبعض القضايا التجاريّة.
أشار الشرع إلى أنّ اتّفاق فضّ الاشتباك لعام 1974 صمد لأكثر من خمسين عاماً، قبل أن تتجاوزه إسرائيل
لكنّ خطاب الشرع، كما بدا في أنطاليا، يوحي بأنّ دمشق لا تريد لهذا المسار أن يُقرأ على أنّه اتّفاق سياسي، أو أن يُسوَّق باعتباره بداية تسوية استراتيجيّة أو تحوّلاً في موقفها من إسرائيل أو من الجولان. بمعنى أدقّ، لا يبدو الرجل بصدد نفي وجود اتّصالات أمنيّة، بل يسعى إلى نزع أيّ معنى سياسيّ نهائيّ عنها.
هنا تتّضح المعادلة التي يحاول الشرع تثبيتها: لا اعتراف بسقوط الحقّ السوريّ في الجولان، ولا رفض مطلقاً لمسار تفاوضيّ أمنيّ إذا كان هدفه منع الانفجار وإعادة ضبط الحدود. وهي معادلة تجمع بين خطاب سياديّ مبدئيّ وخطاب براغماتيّ فرضته الوقائع التي تعيشها سوريا بعد سنوات الحرب الطويلة. لا تملك الدولة التي خرجت منهكة من صراع داخليّ مدمِّر ترفَ الانخراط في مواجهة جديدة، لكنّها، في الوقت نفسه، لا تستطيع سياسيّاً ولا وطنيّاً القبول بإعادة تعريف الجولان بوصفه قضيّة منتهية أو قابلة للشطب بفعل موازين القوّة.
في شرحه للمسار التفاوضيّ، أشار الشرع إلى أنّ اتّفاق فضّ الاشتباك لعام 1974 صمد لأكثر من خمسين عاماً، قبل أن تتجاوزه إسرائيل بعد سقوط النظام في 8 كانون الأوّل 2024. هذا التوصيف مهمّ لأنّه يكشف أنّ دمشق لا تطرح التفاوض بوصفه صفقة نهائيّة، بل بوصفه مساراً مرحليّاً من درجتين: الأولى أمنيّة هدفها انسحاب إسرائيل إلى خطوط 1974 ووضع قواعد جديدة تضمن الالتزام بالاتّفاق وتمنع الانزلاق إلى مواجهة جديدة، والثانية سياسيّة طويلة الأمد تتّصل بالقضيّة الأصليّة، أي قضيّة الجولان نفسه.

يحاول الشرع بذلك فصل الضرورات الأمنيّة الآنيّة عن الثوابت السياديّة، بحيث لا تتحوّل الحاجة إلى الاستقرار إلى مدخل للتفريط.
على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسيّ، قدّم الرئيس السوريّ أحمد الشرع مقاربة سياسيّة دقيقة لملفّ الجولان والعلاقة مع إسرائيل
هشاشة الجنوب وحدود التّفاوض
في حديثه إلى وكالة الأناضول، قدّم الشرع صورة لسوريا بوصفها دولة تريد الخروج من منطق الحرب إلى منطق الاستقرار، وتبحث عن حلول عبر الحوار والدبلوماسيّة بدلاً من الانخراط في صراعات جديدة. ليست هذه الصورة تفصيلاً خطابيّاً، بل تعكس أولويّة سوريّة واضحة: تحقيق حدّ أدنى من التهدئة يسمح بإعادة ترتيب الداخل، والانصراف إلى الإعمار واستعادة المؤسّسات بعد أربعة عشر عاماً من الاستنزاف.
إلّا أنّ هذه المقاربة، كما يعرضها الشرع نفسه، تصطدم بعقبة أساسيّة تتمثّل في السلوك الإسرائيليّ على الأرض. بينما تتحدّث دمشق عن الاستقرار، تواصل إسرائيل، بحسب الرواية السوريّة، استهداف مواقع داخل سوريا وتوسيع تحرّكاتها العسكريّة في المناطق المحاذية للجولان المحتلّ، بما يضعف الشروط اللازمة لأيّ مسار تفاوضيّ قابل للحياة.
لا ينفصل هذا المسار الأمنيّ، في أحد أبعاده، عن هشاشة الجنوب السوريّ، بما في ذلك ما يجري في السويداء. لا يتحدّد التفاوض على ترتيبات أمنيّة مع إسرائيل بمستوى الاتّصالات المباشرة أو غير المباشرة فقط، بل وبقدرة الدولة السوريّة على ضبط بيئتها الجنوبيّة ومنع تحوّل التوتّرات المحليّة إلى مدخل لتدخّلات أوسع أو إلى ذريعة لإعادة إنتاج الوقائع الأمنيّة التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها.
من هذه الزاوية، تبدو السويداء جزءاً من المشهد الضاغط على أيّ تفاهم محتمل، لا باعتبارها ملفّاً منفصلاً، بل بوصفها عنصراً من عناصر هشاشة الجنوب كلّه.
من هنا لا تكمن أهميّة تصريحات الشرع فقط في تأكيده أنّ الجولان أرض سوريّة محتلّة، ولا في وصفه قرار ترامب الصادر في 25 آذار 2019 بأنّه باطل، بل وفي محاولته رسم حدود المناورة السوريّة في المرحلة الراهنة. يريد أن يبعث برسالة مزدوجة: سوريا لا تريد حرباً جديدة، لكنّها لا تقبل أن يتحوّل البحث عن التهدئة إلى غطاء سياسيّ لشرعنة الاحتلال.



























