في الوقت الذي كان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يحاور طلاب الجامعة الأميركية كولومبيا في نيويورك حول ضرورة اخذ الولايات المتحدة برأي اوروبا في مواضيع مختلفة بينها اسعار النفط والحوار بين منتجي النفط ومستهلكيه، كان مسؤولون كبار من الجانبين يعقدون حوارهم الضخم في منتجع كانكون المكسيكي.
وأظهر هذا الحوار ما قاله الرئيس الفرنسي للطلاب الأميركيين، ومفاده ان اوروبا استخلصت الدرس مما حصل في صيف 2008 عندما وصل سعر برميل النفط الى 145 دولاراً. حتى ان الوزير البريطاني، وبريطانيا اقرب الى المنطق الأميركي الليبرالي، قال في كانكون ان المستهلكين في حاجة الى تفاهم مشترك مع المنتجين، لتفادي الهشاشة وتقلب الأسعار كما حصل بين 2008 و 2009.
اما نائب الوزير الأميركي في كانكون، فعارض ذلك بتأكيد موقف الإدارة الأميركية حول هذا الموضوع، وهو ان تحديد السعر يعود الى السوق النفطية، وأن السعر الصحيح هو السعر الذي يحدده العرض والطلب في السوق، مضيفاً ان السعر الصحيح والعادل يتم الحصول عليه اذا اتيحت للأسواق ان تعمل في شكل صحيح.
الا ان على رغم هذا الاختلاف في الرأي بين اوروبا والولايات المتحدة حول موضوع التفاهم حول الأسعار، قررت الدول المجتمعة في كانكون تقليص الاختلافات في الرأي والعمل على شفافية اوضاع السوق النفطية واستقرارها.
لا شك في ان الحوار بين المستهلكين والمنتجين تطور في شكل كبير، خصوصاً منذ ان بلغت الأسعار 140 دولاراً للبرميل، وأدرك العالم ان هذا الارتفاع لم يكن بفعل المنتجين الذين رفعت غالبيتهم الإنتاج الى اقصاه. لكن الأسعار بقيت مرتفعة بسبب لاعبين آخرين في الأسواق العالمية، وهم المستثمرون في الأسواق المالية الذين حولوا استثماراتهم في الدولار الى سوق السلع الذي اعتبروه اضمن، والذي يعطي ربحية اكبر.
فلم يكن تأثير منتجي النفط كبيراً في هذا السعر المرتفع. وقد ادركت ذلك الإدارة الأميركية السابقة. وامتنع الرئيس السابق جورج بوش عن القاء المسؤولية على الدول المنتجة التي لم يكن لها دور في رفع الأسعار بل بالعكس عملت على تهدئة الأسواق. وكانت السعودية حين ذلك تنتج اكثر من 9 ملايين برميل في اليوم من النفط.
واليوم تطورت مواقف الدول المستهلكة حتى لو انها ما زالت، مثل الولايات المتحدة، ملتزمة حرية اسواق النفط ومبدأ الليبرالية. الا انها شاءت ام ابت هناك قيود لهذه الليبرالية خصوصاً عندما يعاني الاقتصاد العالمي من ازمة لم يسبق لها مثيل. ان مستوى سعر النفط الحالي، وهو يبقى يراوح بين 78 الى 82 دولاراً للبرميل منذ فترة، هو المستوى المقبول للجميع. فإذا صعد الى اكثر من 90 او 100 دولار ستبدأ الولايات المتحدة، وهي السوق الأكبر في العالم لاستهلاك النفط، تناشد الدول المنتجة للتدخل وتهدئة الأسعار كما حصل عندما ارتفعت الأسعار ولجأ الرئيس بوش الى توجيه نداءات الى المنتجين، وهو يدرك تماماً ان ارتفاع الأسعار كان بسبب المضاربة، ولكن تجاه رأية العام كان اسهل الأمور القاء اللوم على الدول المنتجة.
فالولايات المتحدة توحي بالليبرالية في الأسواق عندما تناسبها وتطلب التدخل في الأوقات الصعبة عندما يكون اقتصادها على وشك المزيد من التدهور.
وأدركت اوروبا الآن ان الحوار بين المنتجين والمستهلكين للنفط ومفيد وأنه ينبغي التفاهم على مستوى سعر مقبول للجميع، وعلى ضرورة شفافية توقعات الطلب لتبني الدول المنتجة مستويات انتاجها المناسبة كي لا يكون هناك اي نقص. خصوصاً ان قدرات انتاجية غير مستخدمة تكلف الدول المنتجة مثل السعودية التي لديها حالياً اكثر من 4 ملايين برميل من النفط من طاقة فائضة غير مستخدمة في حين ان استراتيجية المملكة هي ابقاء ما بين 1.5 و 2 مليونين برميل في اليوم كطاقة زائدة غير مستخدمة للطوارئ ولتزويد اي نقص في الأسواق العالمية لمنع ارتفاع الأسعار الى مستويات غير مقبولة.
"الحياة"




















