تثير مسالة القدس الشرقية المحتلة في العلاقات الأميركية الإسرائيلية أكثر من علامة استفهام، وتدفع للتساؤل فيما إذا كانت هذه العلاقات بدأت تدخل مرحلة جديدة تختلف عما سبقها.
وقد أثار الأميركيون مسألة القدس حين طلب الرئيس أوباما إلى نتنياهو كما أوضحت المصادر وقف الاستيطان في هذه المدينة مدة أربعة أشهر، هي الفترة الزمنية التي حددتها
لجنة المتابعة العربية، لاختبار النوايا الإسرائيلية إزاء العملية التفاوضية. كما يشكل الموقف الأميركي، في الوقت نفسه، نزولا عند الموقف العربي الفلسطيني بوقف الاستيطان في المناطق المحتلة كافة بما فيها القدس الشرقية. وقد رد نتنياهو على هذه المواقف أن البناء الاستيطاني في القدس هو كالبناء في تل ابيب. كما رد بصيغة أكثر وضوحا على إدارة أوباما بان البناء في القدس هو شكل من أشكال السيادة الإسرائيلية على عاصمة البلاد، وهو تماما كالبناء الأميركي في واشنطن أو نيويورك.
هذا الجدال الأميركي الإسرائيلي حول القدس والاستيطان فيها ينطلق في سياق طرح إدارة أوباما إستراتيجية جديدة للمنطقة، تقوم على معادلة بسيطة، لكن تطبيقها سيكون شديد التعقيد، تقول إن الأميركيين عازمون على تسوية الأوضاع في العراق ومع إيران ومناطق الخليج العربي كافة. فهم يعتقدون أن بقاء نار القضية الفلسطينية مشتعلا من شأنه أن يعطل عليهم جهودهم، خاصة وأن هذه القضية، وفي القلب منها القدس، تحتل موقعا مميزا في وجدان العرب والمسلمين، وبالتالي لا يمكن التفرغ لقضايا الخليج والنار مشتعلة في فلسطين، أي خلف ظهر القوات الأميركية في المنطقة، الأمر الذي يتطلب تسوية القضية الفلسطينية أولا أو إخماد نارها، بما يمكن واشنطن سحب بساط التحريض العربي والإسلامي ضدها من البوابة الفلسطينية وباعتبارها دولة منحازة على الدوام لإسرائيل على حساب المصالح والحقوق العربية والإسلامية.ويفترض المراقبون أن أوباما أسهب في شرح إستراتيجيته هذه لنتنياهو في زيارته الاخيرة إلى واشنطن، كما يعتقدون أن هيلاري كلينتون شرحتها بدورها لوزراء نتنياهو وفي مقدمهم ايهود باراك وزير الدفاع في إسرائيل. كما أن الجنرال باتريوس، . قائد القوات الأميركية في المنطقة، شرح هذه الإستراتيجية لنظيره الإسرائيلي رئيس الأركان غابي اشكنازي. ومن يتابع الصحافة الإسرائيلية يلاحظ أن صفا عريضا من المعلقين والمحللين الإسرائيليين مقتنعون بجدوى السياسة الأميركية الجديدة، ويدعون الى دعمها، ويدعون في السياق رئيس حكومة تل أبيب إلى الاقتناع بأن العلاقات في المنطقة تدخل مرحلة جديدة، وأن على تل أبيب أن تراعي هذا التطور وأن تنسجم معه، وإلا تشكل عائقا أمام الإستراتيجية الجديدة للرئيس الأميركي اوباما.
وحتى عندما حاول نتنياهو ان يتملص من الضغوط الأميركية بالادعاء انه يكمل في القدس ما بدأته حكومات إسرائيل السابقة، وانه لم يأت بأي جديد يعكر العلاقات مع واشنطن، رد عليه شمعون بيريس بالقول إن الحكومات السابقة التزمت الاستيطان والبناء في ما اسماها الأحياء اليهودية في القدس، ولم تتجاوز هذا الخط كما فعل نتنياهو حين بدأ البناء الاستيطاني في الأحياء العربية من المدينة. علما أن بيريس هو رئيس إسرائيل، وكان سابقا من أمراء حزب العمل، وتولى رئاسة الحكومة في إسرائيل أكثر من مرة، وانشق عن العمل ليشكل مع شارون حزبا جديدا هو كاديما الذي أعلن تخليه عما سمي بإسرائيل الكبرى لصالح الفصل بين اليهود والفلسطينيين، والانسحاب من طرف واحد من بعض مناطق الضفة، حرصا على الأغلبية اليهودية في إسرائيل، وحتى لا يشكل الفلسطينيون قومية ثانية تنزع عن إسرائيل صفتها كدولة يهودية.
الأمر الذي تجاهلت الأطراف الإسرائيلية مناقشته حتى الآن هو التالي: ألا يشكل قرار وقف الاستيطان الإسرائيلي في القدس الشرقية تراجعاً عن الإدعاء بأن القدس الكبرى (الشرقية والغربية والمستوطنات المحيطة بها والمسماة "غلاف القدس") هي عاصمة إسرائيل واعترافاً، من ناحية أخرى بأنها مدينة محتلة وأن الاستيطان فيها، يعتبر والحال هكذا، عملاً غير مشروع، وأن قضية المدينة ستحال، في نهاية المطاف، إلى طاولة المفاوضات، خلافاً للموقف الإسرائيلي الرافض لذلك، وأن سابقة القبول بوقف الاستيطان في القدس من شأنه أيضاً أن يفتح الباب أمام الفلسطينيين لتأكيد (مرة أخرى) هويتها وجنسيتها، ولدحر إدعاء تل أبيب بأنها جزء لا يتجزأ من "أرض بني إسرائيل"، و"العاصمة الأبدية" لدولتهم. وألا يفتح هذا الموقف الباب أمام الفريق الفلسطيني المفاوض للمطالبة بتطبيق ما جاء في خطة خارطة الطريق (التي اعتبرها الطرفان أساساً لمفاوضاتهما) بشأن إعادة فتح المؤسسات الفلسطينية في القدس، وفي القلب منها بيت الشرق، وما يلعبه هذا المكان من دور فاعل هو ومؤسساته في تثبيت الوجود الفلسطيني في القدس، وفضح السياسات الإسرائيلية التهويدية.
لن ندخل هنا في تداعيات مثل هذه المواقف على التحالف الحكومي في إسرائيل، بل سنتوقف أمام طبيعة السياسة الأميركية الجديدة (في حال أن أوباما واصل ضغطه بشأن القدس) وانعكاساتها على العلاقات الإقليمية. ونعتقد في هذا السياق، أن الموقف الأميركي بشأن القدس ما كان ليتبلور، على ما هو عليه، لولا الثبات الفلسطيني العربي، على ضرورة وقف الاستيطان مقابل استئناف المفاوضات. ونعتقد في السياق نفسه، أن حاجة الأميركيين للمفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، جعلت من مسألة وقف الاستيطان عامل ضغط على القرار الأميركي. وبالتالي إن الموقف العربي والفلسطيني الصائب، لضمان ثبات البيت الأبيض على موقفه من الاستيطان في القدس، هو في التمسك بمتطلبات العملية التفاوضية، وفي مقدمتها الربط بين المفاوضات ووقف الاستيطان، وعدم القبول بأية تسويات تخرج القدس من المعادلة.
أي بتعبير آخر، على العرب والفلسطينيين أن يدركوا، أنه، ورغم التحالف الإستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن العامل الذاتي العربي – الفلسطيني يستطيع أن يشكل عنصراً مهماً في المعادلة السياسية، إذا ما استند إلى الثبات على مواقفه كما أقرتها لجنة المتابعة العربية وصادقت عليها قمة سرت، وإذا ما اعتبرنا المفاوضات أحد السبل الآيلة إلى الفوز ببعض الحقوق، وليست هدفاً بحد ذاته. ونفترض، في السياق نفسه، أنه كلما شعرت الولايات المتحدة بارتفاع حرارة الأوضاع في المناطق الفلسطينية المحتلة، وكلما شعرت حكومة نتنياهو بأن البقاء في الضفة (والقدس) أمر مكلف جداً، كلما اقترب الفلسطينيون، ومعهم العرب، إلى الفوز بأهدافهم الوطنية والقومية، ولو بالتراكم، وبالنقاط، وليس بالضربة القاضية.
"المشتقبل"




















