في مقابل تصاعد الاتجاهات السياسية والفكرية الأميركية التي تنتقد ارتفاعاً كبيراً في منسوب تأثير اللوبيات الصهيونية في الإدارات الأميركية، بخاصة إدارة الرئيس دونالد ترامب، نجد حملة مضادّة من سياسيين وخبراء إسرائيليين تجادل بأنّ قرار الحرب الذي اتخذه ترامب، وجرى لوم رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عليه وتحميله المسؤولية، لم يكن فقط وليد ضغوط إسرائيلية، بل كان لأسباب أميركية صرفة، ولمصالح أميركية ولقناعات لدى الرئيس ترامب.
الحديث عن تأثير اللوبي الصهيوني في السياسة الخارجية الأميركية قديم – جديد، وقد كتب جون ميرشايمر وستيفن والت كتاباً مهماً عنه (2007)، لقي صدى كبيراً وواسعاً في واشنطن. غير أنه يمكن اعتباره اليوم نسخة قديمة وتاريخية لما حدث بعد صدوره من تطورات، بخاصة تعاظم دور الجماعات المسيحية الصهيونية “الإيفانجاليكال” في دوائر الحزب الجمهوري وإدارة ترامب، والتأثير الكبير لهم في السياسات الأميركية المتعلقة بإسرائيل، ما يجعل النقاش في العلاقة الأميركية – الإسرائيلية ليس فقط نقاشاً أميركياً إسرائيلياً، بل يجعله أميركياً داخلياً، وحتى في أوساط الحزب الجمهوري، بل حركة لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى (MAGA).
على الطرف الآخر، يأخذ النقاش في تل أبيب أبعاداً أخرى، يتعلّق أحدها بموقف التيارات المعادية لنتنياهو والناقدة لهذا التحالف الوثيق بينه وبين إدارة ترامب، ما يجعل إسرائيل تابعاً للولايات المتحدة وقرارها بيد الرئيس ترامب، وهو الموقف الذي سجّله بوضوح رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إيهود باراك في مقالة له في صحيفة هآرتس في الشهر الماضي (إبريل/ نيسان)، إذ يرى سياسيون إسرائيليون كثيرون اليوم أنّه بالرغم من الدعم الكبير الذي يحظى به نتنياهو من ترامب، إلّا أنّ إسرائيل، في المقابل، تصبح للمرة الأولى خاضعة في قراراتها بالحرب والسلم للإدارة الأميركية، سواء ما يتعلّق بالحرب على غزة أو جنوب لبنان، أو قرار الحرب على إيران.
صحيحٌ أنّها المرة الأولى التي تشترك فيها الدولتان بشن حرب بصورة مشتركة، لكن هذا أيضاً لم يكن بلا كلفة سياسية وسيادية، فقرار ترامب وقف الحرب لم يكن مشتركاً ولا توافقياً مع نتنياهو، بل كان قراراً أميركياً صرفاً. وبالرغم من أنها علاقات تحالف وثيق وعضوي بين الدولة العبرية والولايات المتحدة، ولم تتخلّ الإدارات الأميركية، تاريخياً، عن إسرائيل، لا ينفي هذا أنّ الإسرائيليين احتفظوا بمسافة محددة في عملية صنع القرار. ويمكن مراجعة كتاب “سيد اللعبة” (صدر مترجماً إلى العربية في 2023) عن هنري كيسنجر لكاتبه مارتن أنديك، وهو يتحدث عن حرب الـ1973، ودور كيسنجر في تعزيز تلك العلاقة ونقلها إلى مرحلة جديدة، وكيف واجه عقبات ومشكلات وتحديات في الجانب الإسرائيلي، وليس فقط المصري.
في الأثناء، انبرى كتّاب إسرائيليون للرد على الحملة في أوساط أميركية ربطت قرار ترامب بالحرب على إيران بضغوط من نتنياهو، بل تلاعب به، وهي الرواية التي عزّزها بصورة كبيرة تقرير لصحيفة نيويورك تايمز عن كواليس اتخاذ القرار في الإدارة الأميركية، وجاء على اجتماع اثنيهما وأقطاب الإدارة ومرافعة نتنياهو باتجاه الحرب، ووافق عليها ترامب، بالرغم من تحفظ نائبه جي دي فانس وقيادات أمنية وعسكرية على فرضيات نتنياهو وتصوراته حول الحرب وفكرة إسقاط النظام الإيراني من الداخل.
في هذا السياق، نُشر مقالان بارزان، لإيتان شامير في مركز بيغن – السادات للدراسات الاستراتيجية “لماذا ذهب ترامب إلى الحرب؟”، ولداني زاكن “من في الحقيقة جرّ من إلى الحرب؟” ينقدان سردية أنّ نتنياهو هو الذي جرّ ترامب إلى الحرب، وأنّ هذه الحرب الاختيارية، وكانت هنالك بدائل أخرى، ليست في مصلحة الإدارة الأميركية، بل هي في مصلحة إسرائيل، وربما نتنياهو شخصياً، فضلاً عن أنّ نتائجها اليوم ورطة وأزمة لإدارة ترامب ولموقف الولايات المتحدة. ويحيل الكاتبان إلى فرضيات بديلة؛ منها ما يتعلّق بشخصية ترامب نفسها، ووجود ثأر تاريخي بينه وبين إيران، وشعور متنامٍ وموقف تاريخي يفضل الحرب على إيران، كما تشهد تصريحاتٌ له، وبعضها يحيل إلى شخصية ترامب وشعوره بالإهانة من سلوك إيران معه. ويركز شامير على النظرية الواقعية الجديدة التي تربط أسباب الحرب الحالية بالصراع الأكبر على النظام الدولي بين الولايات المتحدة والصين، فيما يركز زاكن على أن القرار في الولايات المتحدة يأخذ أبعاداً مؤسّسية وأكثر تعقيداً من التسطيح والتبسيط المخل الذي تذهب إليه سردية توريط ترامب.
في الخلاصة، من الواضح أنّ هذه الجدالات والسجالات الأميركية والإسرائيلية تعكس أكثر من مؤشّر، أولاً مرحلة جديدة تدخل فيها هذه العلاقة وتأطيرها في الداخل الأميركي وفي إسرائيل، وثانياً الشعور بالقلق من النتائج الحالية للحرب، وتعسّر النصر الحاسم الذي كان ينتظره كل من ترامب ونتنياهو ووعدا به.
- العربي الجديد


























