تسود الشارع السوري حالةٌ من الترقّب لانعقاد البرلمان (أو مجلس الشعب) الذي بدأت عملية اختيار أعضائه قبل أشهر بطريقة حاولت مراعاة ظروف البلد، بوصفه خارجاً من حرب أدّت إلى تهجير أكثر من نصف سكّانه بين الداخل والخارج، ما يحول دون تنظيم انتخابات عامّة عادية، تسمح بمشاركة واسعة. وقد حالت جملة من الصعوبات دون التئام الجلسات حتى الآن، ومنها عدم بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي السورية، ولذا تعذّر اختيار ممثّلين لمحافظات الجزيرة الثلاث: الرقة ودير الزور والحسكة، قبل تحريرها من سلطة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في يناير/ كانون الثاني الماضي.
حسب التصريحات الرسمية، بات أوان انعقاد الجلسة الافتتاحية قريباً جدّاً، ويظهر هذا من خلال الترتيبات الجارية في المبنى الخاصّ بالبرلمان، في وسط العاصمة بشارع الصالحية. وعلى مدى أشهر، خضع المقرّ لعملية صيانة. وكلّما اقترب الموعد، علا صوت النقاش السوري في وسائل التواصل، وفي الملتقيات السياسية، عن أيّ برلمان نريد في المرحلة الانتقالية، التي بقي منها نحو ثلاثة أعوام ونصف العام. وتحضر، على سبيل المقارنة، سيرة البرلمان السابق خلال حكم آل الأسد، الذي استحقّ لقب برلمان التصفيق، وقد كان دوره شكلياً ومحدود التأثير، وبالتالي، التعويل اليوم أن تكون هذه المؤسّسة فعّالة لا مجرّد واحدةٍ من أدوات السلطة الجديدة، فتركيبتها مهمّة جدّاً لجهة التمثيل الفعلي للمجتمع، وعكس تنوّعه بين قوى تقليدية، وكفاءات مستقلّة، وخصوصاً من الأوساط التي أقصتها الأسدية في العهود السابقة.
هناك رهان واسع على أن يتمكّن البرلمان من العمل باستقلالية عن السلطة الجديدة، ولا يعني هذا أن يتحوّل إلى منبر معارض لها، بل أن تتوافر له مساحة من حرّية العمل. ليس المهم أن يغيّر البرلمان المرتجى الوضع خلال زمن قصير، وإنّما أن تكون نقطة انطلاقه سليمة، ويمتلك هامشاً خاصّاً به بوصفه سلطةً تشريعيةً عليها أن تنهض بوظائفها الأساسية في الرقابة والمساءلة والتشريعات الخاصّة بالإصلاح القانوني وحماية الملكيات العامّة والخاصّة، ملف يمثّل واحدة من أكبر المعضلات التي بدأت تنمو مثل كرة الثلج. والهدف هو تبنّي قضايا الناس، وإيصال صوت المجتمع إلى السلطات الرسمية، وأيّ انتقاص من ذلك يُفقد البرلمان مبرّر وجوده، ويجعل منه هيئةً شكليةً بلا مضمون. وإلى هذا، ينتظر البرلمان المقبل ملفّات مهمّة عديدة في طليعتها الوضع المعيشي الصعب، إذ لم يحصل تحسّن ملحوظ في هذا المجال على مدى عمر السلطة الجديدة، ويُنتظر من البرلمان تبنّي حلول للرواتب والأسعار وفرص العمل، بالإضافة إلى إعادة الإعمار، التي لا يبدو أنّ السلطة تمتلك خطّةً ناجزةً لها، بدليل أنّ الدمار الذي حلّ بعدّة محافظات لا يزال في مكانه. وبالإضافة إلى هذا، مكافحة الفساد الذي بدأ يستشري بسرعة من دون مراعاة للظروف الصعبة التي يجتازها البلد، وذلك يشكّل أكبر اختبار لقدرة الدولة الجديدة على مواجهة هذا التحدّي الذي يحتاج إلى إجراءات صارمة وسريعة.
تقف سورية اليوم بين اختبار الإرادة وتحقيق الممكن. وتحتاج إلى الكثير من أجل تجاوز أوضاعها الاقتصادية والسياسية الصعبة، ومسألة العدالة الانتقالية، وفي وسع البرلمان، إذا نهض بدوره الصحيح، أن يمهّد الطريق لمسار تدريجي، وشرط ذلك ألّا يكون صورةً عن الوضع الحكومي الذي قام على أساس إعادة إنتاج التوازنات بين الفصائل العسكرية التي تولّت مهمّة إسقاط النظام السابق وتشاركت في مؤسّسات الحكم. فالمطلوب من البرلمان العمل لإعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع على أسس سليمة. ولا يتعلّق الأمر هنا بدور تقني، بل بوظيفة سياسية، تقوم على تعزيز الثقة.
- العربي الجديد

























