بعد انهيار نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، لوحظ أن اسم زوجته أسماء الأخرس، المعروفة بأسماء الأسد، قد سقط مبكراً من التداول، في كل مرة يجري الحديث فيها عن جرائم بشار وأركان نظامه ورموز هذا النظام من عسكريين ومدنيين، ممن أعانوه على قمع انتفاضة الشعب السوري، وساندوه في الحرب التي شنها على البلاد، وقُتل خلالها مئات الآلاف وشرَّد الملايين. ثم جاءت محاكمة رجل الأمن عاطف نجيب، قبل أيام، بتهمة ارتكاب جرائم بحق السوريين، ومناداة القاضي على المتهم بشار الأسد وآخرين، من دونها، لتكرس هذه الملاحظة. ويثير هذا الأمر التساؤل إن كان الإعلام والقضاء السوريين يجهلان ما اقترفته هذه السيدة، أم أن ثمة تعمُّدٌ في إسقاط اسمها من التداول، وهي التي كانت شريكة في الحكم فتقع عليها مسؤوليات لا يراها المعنيون.
وكان قاضي محكمة الجنايات في محكمة دمشق، الذي ترأس جلسة محاكمة رجل الأمن عاطف نجيب، في 26 نيسان/أبريل الماضي، قد نادى على الرئيس المخلوع بشار الأسد وأخيه ماهر، وعلى فهد جاسم الفريج الذي كان في تلك الفترة يشغل منصب نائب القائد العام للجيش والقوات المسلحة ووزير الدفاع، وآخرين غيرهم، بوصفهم متهمين. ومَثَلَ نجيب أمام القضاء بتهمة إطلاق النار على المتظاهرين وقتلهم، واحتجاز الأطفال في درعا وتعذيبهم، سنة 2011، حين كان يترأس فرع الأمن السياسي في المدينة التي شهدت خروج أولى مظاهرات ثورة الكرامة. وبينما حوكم نجيب حضورياً، حوكم المتهمون الآخرون غيابياً، كونهم هربوا من البلاد عشية سقوط النظام، على أن تعقد جلسة محاكمة أخرى بعد أيام.
إنه لأمر لافت ما قام به القاضي في تلك المناداة على بشار الأسد وبقية المتهمين؛ إذ وبمناداته عليهم بتلك الطريقة، كان ينادي على منظومة القمع الكاملة التي كان يترأسها بشار، وهي منظومة لا يمكنك أن تُخرِج أحداً من أفرادها، خارج نطاق الاتهام بالمشاركة في قتل السوريين. فهُم، وبحكم مواقعهم القيادية، كانوا على علمٍ بما كان يقترفه بشار من جرائم، واستمرارهم في مواقعهم يعني بالضرورة موافقتهم على تلك الجرائم، خصوصاً أنهم في مواقع تتطلب منهم التوقيع على قرارات اعتقال المعارضين أو تعذيبهم أو تصفيتهم أو ضرب منازلهم وقراهم بالقذائف والصواريخ. ومن هنا فإن أسماء الأخرس، وكونها كانت زوجة بشار الأسد، ينطبق عليها الاتهام نفسه بالموافقة على ما كان يقترفه من عمليات قتل للسوريين، وإلا كانت هجرته وغادرت البلاد احتجاجاً على جرائمه، لكنها وقفت بجانبه مساندةً، في كل المناسبات التي ظهرت فيها حتى آخر يوم.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فإن وقائع عديدة مرت بها مسيرة حياة هذه السيدة أدت إلى تغيير شخصيتها وملازمة زوجها المتهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، ما أدى إلى تصنيفها رمزاً من رموز النظام. ودفع هذا التحول جريدة “الغارديان” البريطانية إلى نشر تقريرٍ، سنة 2016، أطلقت فيه على أسماء الأسد تسمية “سيدة الجحيم الأولى”، بعدما كانت قد أطلقت عليها مجلة “فوغ” الأميركية سنة 2010، تسمية “وردة الصحراء”، بفضل جاذبيتها وحيوتها. وفي سياق هذا التحول، كانت أسماء قد أخذت تنشئ امبراطوريتها المالية التي اتبعت في تضخيمها طرقاً متعددة، جميعها كانت خارج إطار القانون، بل والمعقول. وهي إذ بدأت ترسي قواعد تلك الإمبراطورية من خلال السطو على ثروات الآخرين، وأولهم رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، أنشأت مكتباً سرياً كرست فيه استبدادها المالي، حين امتهنت الإرهاب لابتزاز رجال الأعمال وتدفيعهم أتاوات. كما تنوعت قنوات الكسب المالي فوصلت إلى مرحلة اتقانها جريمة المتاجرة بالأطفال، وربما الأعضاء البشرية، وجعلتها عملاً مؤسساتياً، استعانت بأفرعٍ أمنية، أخطرها فرع الخطيب سيئ السمعة الذي بات تابعاً لها، لضمان حسن سير هذا العمل. ومع تغولها الاقتصادي في قطاعات الدولة، أخذت تبني امبراطورية عقارية من خلال الاستحواذ على ملكيات الأخرين عبر الترغيب والترهيب، وصولاً إلى جريمة إحراق بعض الغابات في الساحل، للسطو عليها وعلى الملكيات المجاورة لها.
وفي سياق جريمة المتاجرة بالأطفال، وربما بأعضائهم، فإن الملف الذي لدى الجهات المختصة في سوريا، كفيل بأن يجعل اسمها يندفع إلى المرتبة الثانية على لوائح الاتهام، بعد اسم زوجها، نتيجة استغلال سطوتها ونفوذها والمؤسسات التي أنشأتها تحت غطاء إنساني واجتماعي، لضمان توفر البضاعة (الأطفال) على مدار الساعة، من أجل تلبية حاجات هذه السوق الإجرامية التي باتت أحد مشغليها. فبعد سقوط النظام، خرجت قضية اختفاء أكثر من 3 آلاف و700 طفل سوري إلى التداول عبر المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، ما دفع السلطات المختصة، أوائل تموز/يوليو 2025، للتحرك والتحقيق بالموضوع. وقد أدت التحريات إلى اعتقال سيدتين كانتا تشغلان موقعين مهمين في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وسيدات أخرى كن مسؤولات عن دور أيتام، بسبب تورطهن في ملف إخفاء ما أطلق عليهم تسمية “أطفال المعتقلين” و”الإيداعات الأمنية”.
ولضمان استمرار عملها، استغلت أسماء الأخرس دُور الأيتام ودُور رعاية الأطفال، منها قرى الأطفال (SOS) وجمعية المبرة ومجمَّع لحن الحياة، ودار الرحمة للأيتام، لإيداع الأطفال الذي يجري فصلهم عن ذويهم المعتقلين وإرسالهم إلى هذه الدور، وتغيير أسمائهم أو نسبهم، ثم يختفون. وكان هؤلاء الأطفال إما يُعتقلون على الحواجز برفقة أهلهم، أو أثناء اعتقال أهلهم من المنازل، أو يولدون في السجون لنساء إما كنَّ حوامل قبل الاعتقال أو اغتصبن في السجن وحملن وأنجبن هناك. وكانت الأجهزة الأمنية تتولى نقل هؤلاء الأطفال بسرية تامة، ويسلمون لتلك الدور التي يفرضون عليها التعامل مع ملفاتهم بسرية تامة. أما علاقة أسماء الأخرس بالموضوع، فقد كشفت عنه مديرة إحدى تلك الدور، بقولها إن ملف هؤلاء الأطفال كان تحت الإشراف المباشر من أسماء الأخرس. وتراوح عدد الأطفال الذين أودعوا في هذه الدُّور بين 4 آلاف و5 آلاف طفل، عاد عدد قليل منهم إلى أسرهم، بينما فقد أثر أكثر من 3700 طفل. ولم يُعرف ما إذا كانت أسماء الأخرس قد باعتهم لمنظمات الاتجار بالبشر الدولية، أو أرسلتهم للتبني لدى أسر ميسورة مقابل مبالغ مالية، أو حتى قتلتهم وباعت أعضائهم.
إذا كانت كل الوقائع أعلاه، غير كافية للمحكمة لتكوين ملف بجرائم أسماء الأخرس لاستدعائها للمثول أمامها، كان يمكن المناداة عليها كشاهدة، باعتبارها لازمت زوجها في تلك الفترة، وبقيت على اطلاع كامل على كل تفاصيل حياته السياسية والشخصية ودقائق حكمه. ولكيلا تبقى العدالة منقوصة عبر محاكمة مقترفٍ وإهمال جرائم آخر، من المفترض توجيه التهم لكل المتورطين وتصدير مذكرات اعتقال بحقهم، ومنهم أسماء الأخرس. حينها لا تحتاج الحكومة والقضاء في دمشق، إلى حججٍ أو مبررات تسوقها لأهالي الأطفال المغيبين، بينما أبناء أسماء الأخرس حاضرين في كنف أمهم، يعيشون حياة الترف بأموالٍ جمعتها والدتهم ووالدهم فأفقروا أبناء البلاد.
- المدن

























