I
هناك ثلاث طرائق لبحث أو مقاربة العلاقات العربية – الأميركية في العقود الخمسة الماضية. الطريقة الأولى هي الطريقة التاريخية والجيواستراتيجية. والطريقة الثانية هي طريقة الرؤى والنظرات المتبادلة. والطريقة الثالثة هي طريقة المحطات أو النقاط والمراحل الفاصلة. وينبغي هنا أن أقدم بملاحظة تتصل بالإدراك العربي العام للولايات المتحدة. فالإدراك الغالب منذ عقود للولايات المتحدة أنها الدولة العظمى أو الأعظم في المجال العالمي. وهذا الإدراك المستتب والمستقر يعود لحقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما بدأت الدولة الأميركية تمارس نفوذاً متعاظماً في منطقة الشرق الأوسط والعالم. وقد انقضت المرحلة التي كانت فيها القـارة الأميركية – وليس الولايات المتحدة وحدها- ، وفي نظر سكان المشرق العربي بالذات، أرض الفرص والهجرة المظفرة والغنى السريع، أو لنقل إن نظرةً مزدوجة تطورت تجاه الولايات المتحدة بعد الستينات من القرن الماضي، بحيث ظلت الهجرة إلى الدولة الأميركية مرغوبةً ومستمرة؛ لكن الغالبية العظمى من أهل المنطقة بات يغلب على إدراكاتهم تجاه الدولة الأميركية، واقع القوة العظمى وسياساتها في منطقتهم وفي العالم.
فلننظر في إمكانات وثمرات الطريقة التاريخية/ الجيواستراتيجية في مقاربة العلاقات مع الولايات المتحدة من وجهة نظر المثقفين والسياسيين العرب. فمن وجهة نظر تاريخية هناك حقبة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، والتي امتدت ما بين الخمسينات وأواخر الثمانينات من القرن المنصرم. والمعروف أن تلك الحقبة شهدت بداياتها قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين، وشهدت نهاياتها الحرب الأولى على العراق. وفي ما بينهما فإن تلك الحقبة ذات المراحل، شهدت اصطفافاً عربياً وإسلامياً تحت مظلتي القطبين. وكانت الأولوية لدى الدولة الأميركية خلالها في منطقتنا- وربما في سائر أنحاء العالم – مصارعة الشيوعية والاتحاد السوفياتي، وفي الفكر والعسكر والسياسات. وقد كسب الاتحاد السوفياتي إلى جانبه عدة أنظمة ثورية عربية وإسلامية، كما كسبت الولايات المتحدة أنظمةً أخرى في ما بين دول الجزيرة العربية وإيران وباكستان. وبعد أواسط السبعينات من القرن الماضي، ورغم حلول فترة التعايش السلمي؛ فإن الكفة بدأت تميل لمصلحة الولايات المحدة؛ حين أقبلت حتى الانظمة الثورية في العالم العربي على إقامة علاقات متوازنة بين طرفي المعادلة، بل الانتقال أحياناً إلى الضفة الأميركية. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، ربما كان أهمها الاستقرار الذي شعرت به الأنظمة العربية الثورية، وعدم القدرة على الاستمرار في مصارعة إسرائيل، والاعتقاد أن الولايات المتحدة تستطيع التأثير على الكيان الإسرائيلي لهذه الناحية. وأخيراً تردد السياسات الروسية واضطرابها أحياناً، مع استمرار صرامة السياسات الأميركية وبقائها في خط صراعي متصاعد في منطقتنا على الأقل. وخير مثال على ذلك الصراع على أفغانستان بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة منذ أواخر السبعينات من القرن الماضي. ففي ذلك الصراع استخدمت الولايات المتحدة الإمكانات الجديدة للإسلام الثوري، دونما معارضة حتى من جانب الأنظمة الثورية العلمانية. وما ان جاءت أواسط الثمانينات حتى كانت ثلاث ديانات كبرى هي البروتستانتية والكاثوليكية والإسلام (العربي على الخصوص) تساند الولايات المتحدة في صراعها مع الاتحاد السوفياتي، ومن حرب النجوم إلى قوة الإيمان والحرية!
ومضياً مع المقاربة التاريخية والجيواستراتيجية للعلاقات مع الولايات المتحدة؛ فإنه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو في مطلع التسعينات من القرن الماضي وإلى أواخر العام 2009، بزغت حقبة الهيمنة الأميركية في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط على الخصوص، والتي بدأت كما سبق القول بالحرب الأولى على العراق، وبلغت ذروتها التي لم تغادرها في الحرب الثانية على العراق، واندلاع الحرب المستمرة على الإرهاب الإسلامي، الغالب على قسماته القاعدة أو السلفية الجهادية ذات القيادة العربية.
ولأن التاريخ أو الجيواستراتيجي لا يفسر كل شيئ، فلنمض بإيجاز إلى المقاربتين الأخريين للعلاقات، ولنبدأ باللحظات أو المحطات الفاصلة. هناك قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين، عام 1948. وفي الإدراك العربي وقتها فإن الولايات المتحدة لا تتحمل المسؤولية الرئيسية عن قيامها في قلب المشرق العربي. وازداد هذا الانطباع إيجاباً في حرب العام 1956 على مصر، وهي الحرب التي شنتها بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. فقد تدخل السوفيات والأميركان- رغم تصارعهما- لإيقاف الهجوم الثلاثي على مصر، وسحب الجيوش. ثم كانت المحطة الفاصلة الثالثة وقد تجلت في حربي العام 1967 والعام 1973. إذ دخلت في الإدراك العربي للمرة الأولى مقولة أن الولايات المتحدة لا تقف على الحياد، ولا تسعى حقاً للتسوية العادلة للمشكلة الأكبر في نظر العرب، عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. بيد أن هذا المحطة فاصلة لسبب آخر أيضاً. فحتى العام 1973 كانت الجيوش العربية الرسمية هي التي تتولى الصراع مع إسرائيل؛ أما بعد ذلك فقد حيدت الجيوش العربية نفسها، وتسلمت زمام الكفاح- وبقرار من الجامعة العربية- الحركات الثورية الفلسطينية فالعربية والإسلامية. ولا يزال الأمر على هذا النحو حتى اليوم. وقد دفع ذلك الجمهور العربي في اتجاه تلك الحركات، وأثر على شرعية الأنظمة واحترامها في نظر الجمهور. واستقر في الوعي أن الحل العادل للقضية الفلسطينية لا يأتي إلا من تلك الحركات، بعد أن أظهرت دول النظام العربي عجزها، وأعرض النظام الدولي بزعامة الولايات المتحدة عن تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية. أما المحطات الفاصلة الباقية والتي أثرت سلباً على الإدراك العربي للولايات المتحدة فهي معروفة ومن ضمنها الحربان على العراق، والأولوية المعطاة للحرب على الإرهاب. وهنا يتلاقى التاريخي والجيواستراتيجي بالمقاربة التي تعتمد المحطات اواللحظات الفاصلة. ففي حقبة الحرب الباردة كانت الأولوية لمصارعة الشيوعية، وكانت إسرائيل قطباً فيها. وفي حقبة الهيمنة صارت الأولوية لمصارعة الإرهاب، وصار أمن إسرائيل خلالها جزءًا من أمن الغرب والولايات المتحدة. وصار الإسلام وليس العرب فقط، مجالاً للتشكيك والهجوم.
بعد هذا كله، هل بقيت هناك حاجة لتجربة المقاربة الثالثة، التي تعنى بالرؤى والنظرات المتبادلة؟ نعم، هناك فائدة من وراء التأمل الثالث هذا. فباستثناء قلة- وإن تكن قويةً ومؤثرة- لا يزال كثيرون من مثقفي العرب، ومن الجمهور، يفصلون بين الولايات المتحدة والسياسات الإسرائيلية. ولا يزال كثيرون يرون أن الديموقراطية الأميركية ذات أوجه متعددة وليست ذات وجه واحد. وأنه لا يجوز اختزال الولايات المتحدة بشعبها وحرياتها ودورها في حاضر العالم ومستقبله، إلى مجرد أداة للسطوة الإسرائيلية في منطقتنا. والشاهد على ذلك ما قوبلت به مبادرات الرئيس جيمي كارتر لحل النزاع العربي/ الإسرائيلي، والتفاؤل الذي حف بمؤتمر مدريد، والاستبشار الذي قوبلت به خطابات الرئيس أوباما ومبادراته في مطلع عهده؛ وبخاصة خطابه في جامعة القاهرة.
II
ما كتب المثقفون وأساتذة العلوم السياسية العرب بحوثاً ودراسات ذات قيمة باقية عن المجتمع الأميركي وعن الدولة الأميركية والديموقراطية الأميركية. وكما سبق القول؛ فإن الكتابات عن الولايات المتحدة كانت دائماً بصفتها القوة العظمى، وعن تأثير سياساتها في المنطقة العربية وفي العالم. وهكذا فقد تركزت الكتابات العربية والمترجمة إلى العربية في حقبة الحرب الباردة الطويلة على الإمبريالية الأميركية. وفي الحقبة التي تلت تركزت الكتابات العربية والمترجمة إليها على العولمة، وعلى الهيمنة الأميركية من خلال العولمة. أما كتاب ومترجمو الستينات والسبعينات فقد كانوا غالباً من الشيوعيين أو اليساريين أو القوميين العرب، وأما كتاب العقدين الماضيين فهم في الغالب من اليساريين القدامى أو من الإسلاميين.
إن هذا لا يعني أن المعلومات الأساسية عن الدولة الاتحادية الأميركية وعن النظام الأميركي، ما كانت متوافرةً للقارئ العربي العادي. بل كان ذلك كله موجوداً في الكتب الأكاديمية بكليات الحقوق والعلوم السياسية، وفي بعض ما ترجم عن الفرنسية وعن الإنكليزية من مؤلفات الأوروبيين. ومما له دلالاته أن كتاب دي توكفيل القديم عن الديموقراطية الأميركية ما ترجم إلا قبل ثلاث سنوات؛ في حين ترجمت كتابات تشومسكي منذ الثمانينات من القرن الماضي. وقد ترجم كتاب Negri "الإمبراطورية "أكثر من مرة ولقي انتشاراً واسعاً رغم الاختلاف على تفسيره. إن اللافت للانتباه أن التعامل مع الإمبرياليتين الفرنسية والبريطانية، ومن جانب المثقفين والحقوقيين والمؤرخين اختلف إلى حد كبير. ففي العربية مؤلفات وترجمات كثيرة عن الدولتين والثقافتين على امتداد القرن العشرين. وهناك بالطبع كتب إدانية كثيرة ضد السياسات الاستعمارية للبريطانيين والفرنسيين والإيطاليين. لكن، وكما سبق القول؛ فإن هناك مؤلفات أكاديمية وأدبية وشعبية عن الثقافات الأوروبية لقيت وتلقى انتشاراً واهتماماً حتى اليوم. فلماذا هذا الاختلاف في التعامل مع أوروبا من جهة، ومع الولايات المتحدة من جهة أخرى؟ ربما كان السبب الأهم هذا الدخول السريع والصاعق للولايات المتحدة إلى المنطقة العربية والعالم الإسلامي بعد الحرب الثانية، بحيث نسيت العهود الاستعمارية للأوروبيين إلى حد ما. ثم إن المثقفين الذين قدموا عوالم الثقافة والسياسة الحديثة إلى القارئ العربي في الستينات من القرن الماضي، كانوا من اليساريين ذوي الثقافة الأوروبية. ويضاف لذلك أن البنى السياسية وحتى العسكرية للدول العربية الحديثة هي في الأصل بنىً أوروبية. وأخيراً فإن المؤسسات الثقافية البريطانية والفرنسية بذلت جهوداً أكبر بكثير من المؤسسات الأميركية في ما بين الخمسينات والثمانينات من القرن الماضي، في نشر الثقافة السياسية الأوروبية.
لقد اختلف الوضع في العقد الأخير من السنين إلى حد ما. لكن ليس من طريق التأليف؛ بل من طريق الترجمة لمؤلفات عن الولايات المتحدة ولمؤلفين أميركيين في الفلسفة والسوسيولوجيا وتيارات ما بعد الحداثة، والعلوم الإنسانية، والشأن السياسي. لكن قبل الانصراف لقراءة الإدراكات العربية الأخيرة للنظام الأميركي، ولعلائق الدولة بالمجتمع هناك، والدين بالدولة؛ أود لفت الانتباه بشكل سريع إلى كيفية تأثير الحضور الأميركي الطاغي في المنطقة العربية على الاختزالية التي نالت من فهم العرب المعاصرين للولايات المتحدة ثقافةً ومجتمعاً ونظاماً. ففي مكتبتي ثلاث ترجمات لكتاب الأستاذ فرنسيس فوكوياما: "نهاية التاريخ"، وخمس ترجمات لمقالة وكتاب صموئيل هنتنغتون: صدام الحضارات. وكما هو معروف؛ فإن كلا الكتابين صدر بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، والحرب الأولى على العراق. وكتاب الاستاذ فوكوياما يبشر بالانتصار النهائي للديموقراطية الليبرالية. في حين تبشر مقالة الأستاذ هنتنغتون ثم كتابه بتغير طبائع الصراعات، والصدام الحاصل والمقبل مع الإسلام "الذي يملك تخوماً أو حدوداً دموية". لقد كتبت مئات المقالات، وعشرات الكتب بالعربية، في نقد أو نقض أطروحتي فوكوياما وهنتنغتون، واللتين اعتبرتا الوجه الجديد للهيمنة الأميركية والغربية. أما كتاب فوكوياما فقد أثار حفيظة اليساريين والقوميين على الخصوص- وأما أطروحة هنتنغتون فقد أثارت حفيظة الإسلاميين الجدد. وعندما تزايد تبادل الضربات بين الولايات المتحدة و"القاعدة" بعد العام 1998 نسي كتاب فوكوياما، أما كتاب هنتنغتون فقد ظل يذكر في بداية كل حديث عن مسائل الحرب العادلة، والحرب على الإرهاب، والمحافظين الجدد، والإنجيليين الجدد، والإسلاموفوبيا. وملخص الأمر أن جمهرةً مؤثرةً من الإسلاميين، وكتاب الأعمدة في الصحف، والمتناقشين على الإنترنت، اعتبروا طوال التسعينات من القرن الماضي، كلاً من الأستاذين فوكوياما وهنتنغتون الممثلين الرئيسيين للثقافة السياسية في الولايات المتحدة، وفي العالم الغربي.
إن هذا الانطباع لدى العرب المهتمين بالشأن العام، ترك تأثيرات عميقةً على الوعي والفهم للدولة الأميركية، وللعلائق بين الدولة والمجتمع فيها، والدولة والدين، والنظرة الأميركية إلى العرب والإسلام والمسلمين. فقد لفت انتباه الجمهور العربي، الاصطفاف الشعبي الأميركي وراء الرئيس جورج بوش، عشية إعداده للحرب على العراق عام 2002/ 2003. وعندما لاحظ كاتب ليبرالي أن الرئيس بوش، هو رئيس منتخب من جهة، ويستطيع اجتذاب الجمهور والكونغرس بسبب هجوم "القاعدة" على الولايات المتحدة عام 2001، سارع كثيرون للرد عليه بأن البريطانيين والفرنسيين والإيطاليين والألمان، يملكون أيضاً سلطات منتخبة، وقد تعرضوا للإرهاب؛ لكن التظاهرات المليونية تملأ الشوارع في أوروبا احتجاجاً على الحرب، دون أن يحدث شيئ مماثل في الولايات المتحدة لا في الشارع ولا في الكونغرس. وللمرة الأولى ظهرت مقالات في الصحف اليومية عن قوة الدولة والنظام في أميركا، وعن التلاصق بين المجتمع والدولة، وعن التفاف المجتمع من حول الرئيس عندما تكون البلاد في حالة حرب. لكن الاستغراب لم ينقض حتى اليوم؛ وبخاصة أن مجلس العموم البريطاني عقد جلسات للتحقيق في أسباب دخول بريطانيا الحرب إلى جانب الولايات المتحدة، وما حدث شيئ مماثل في الولايات المتحدة، وإنما جل ما حدث أن الكونغرس يحقق في أسباب التقصير والخسائر والإنفاق الكبير في حرب العراق كما في أفغانستان. وما سألت جهات مؤثرة لماذا مضينا إلى الحرب على العراق في الأساس؟! وقد تفرع لدى عدد كبير من المثقفين العرب على هذه الواقعة سؤالان؛ يتصل أولهما بطبيعة العلاقة بين الجمهور من جهة، والقرار السياسي من جهة أخرى ضمن الدولة الأميركية. وبخاصة أن أحداً من المهتمين بالشأن العام – باستثناء غلاة القوميين والإسلاميين- لا ينكر وجود ديموقراطية حقيقية في الدولة الأميركية. وثاني السؤالين كيف تستطيع الدولة الأميركية شن حرب على دولة أخرى ما اعتدت عليها، ولا أضرت بمصالحها المباشرة، كما أن مجلس الأمن الدولي ما كلفها بذلك أو سمح به. وقد ترتب على تلك الحرب مقتل زهاء المليون عراقي، وتهجير حوالى الأربعة ملايين، فمن يتحمل المسؤولية عن ذلك؟!
(باحث في الشؤون الاسلامية حلقة أخيرة غداً)
"النهار"




















