لم تكن العلاقة بين السوريين والأحزاب السياسية في الحقبة الأسدية علاقة طبيعية، بل تشكّلت عبر عقود طويلة من الإقصاء والقمع السياسي والتجارب الحزبية المشوّهة الناتجة عن العمل السري، والانقطاعات التاريخية التي جعلت العمل الحزبي السياسي يبدو في نظر كثير من السوريين إما أداة للسلطة (أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية) أو كيانًا نخبويًا منفصلًا عن المجتمع (أحزاب المعارضة)، واليوم في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، تعود هذه العلاقة إلى الواجهة بوصفها أحد المفاتيح الأساسية لفهم مستقبل الحياة السياسية في سوريا، غير أن المفارقة التي تكشفها الدراسة السوسيولوجية التي نشرت في مجلة قلمون (العدد الخامس والثلاثون – ربيع 2026) الصادرة عن المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة بعنوان “توجهات السوريين نحو الأحزاب السياسية”، تكمن في أن ارتفاع الاهتمام السياسي لدى السوريين لا يقابله انخراط حزبي فعلي، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا يعزف السوريون عن الأحزاب السياسية رغم إدراكهم أهميتها؟
تشير نتائج الدراسة إلى أن نحو 63% من عينة الدراسة التي بلغت (832) سوريًا وسورية، يُبدون اهتمامًا واضحًا بالشأن السياسي، وهو رقم يعكس درجة عالية من الوعي السياسي العام، خاصة في سياق التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام الأسد، لكن هذا الاهتمام لا يُترجم إلى مشاركة حزبية فعلية، حيث إن 60% من المستجيبين لم ينضموا إلى أي حزب سياسي في حياتهم. هذه الفجوة بين الوعي والممارسة لا يمكن تفسيرها باللامبالاة، بل على العكس من ذلك تعكس نوعًا من “العقلانية السياسية” التي تدفع الأفراد إلى تجنّب الانخراط في كيانات لا يرون فيها جدوى برامجية سياسية حقيقية.
السوريون بعد سنوات من الصراع والانقسام، لم يعودوا ينجذبون إلى الشعارات السياسية الكبرى أو الخطابات العقائدية، بل يبحثون عن حلول عملية لمشكلاتهم المعيشية اليومية، وقد عبّر نحو 28% من المستجيبين عن تفضيلهم لهذا النوع من الأحزاب، وهو ما يعكس نزعة براغماتية متزايدة في السلوك السياسي.
في هذا السياق، تقدّم الدراسة تفسيرًا مقنعًا بالاستناد إلى نظرية الاختيار العقلاني، حيث يتخذ الأفراد قراراتهم السياسية بناءً على موازنة بين الكلفة والعائد من الانخراط في العمل السياسي، وبالنسبة إلى السوريين، كان الانتماء الحزبي المعارض تاريخيًا عالي الكلفة، سواء من حيث المخاطر الأمنية أو الاجتماعية، في مقابل عوائد محدودة أو شبه معدومة، فالأحزاب السياسية، في ظل الحقبة الأسدية، لم تكن أدوات للتغيير أو التمثيل، بل تحولت في معظمها إلى واجهات شكلية تخدم السلطة أو تعيش على هامشها. هذا الإرث الثقيل لم يختفِ بسقوط النظام الأسدي، بل استمر في تشكيل نظرة السوريين إلى العمل الحزبي.
ولا يقتصر الأمر على الماضي، بل يمتد إلى الحاضر أيضًا. فالأحزاب التي نشأت بعد عام 2011، ورغم كثرتها لم تنجح في بناء قاعدة شعبية حقيقية أو تقديم برامج سياسية مقنعة. وتشير الدراسة إلى أن عدد الأحزاب السورية بلغ 134 حزبًا، معظمها تأسس بعد الثورة، لكنه بقي محصورًا في نطاق النخب دون قدرة على التواصل الفعلي مع المجتمع، هذا الواقع عزّز الشعور بأن الأحزاب ليست أدوات تغيير، بل كيانات منفصلة عن هموم وحاجات الناس اليومية.
ومن اللافت أن الدراسة تكشف عن تحوّل مهم في الثقافة السياسية السورية، يتمثل في تراجع جاذبية الأحزاب الأيديولوجية التقليدية، مقابل صعود تفضيل الأحزاب الوطنية غير المؤدلجة. فالسوريون بعد سنوات من الصراع والانقسام، لم يعودوا ينجذبون إلى الشعارات السياسية الكبرى أو الخطابات العقائدية، بل يبحثون عن حلول عملية لمشكلاتهم المعيشية اليومية، وقد عبّر نحو 28% من المستجيبين عن تفضيلهم لهذا النوع من الأحزاب، وهو ما يعكس نزعة براغماتية متزايدة في السلوك السياسي.
هذا التحول لا يعني بالضرورة نهاية الأيديولوجيا، لكنه يشير إلى إعادة ترتيب الأولويات، حيث تصبح الفاعلية العملية والقدرة على تحقيق نتائج ملموسة أهم من الانتماء الفكري، فالسوري اليوم، كما تظهر الدراسة، لا يسأل عن هوية الحزب بقدر ما يسأل: ماذا سيقدم لي؟ وهل يستطيع تحسين واقعي الحياتي؟ هذا السؤال البسيط يلخّص جوهر الأزمة الحزبية في سوريا.
لكن أزمة الأحزاب لا تتعلق فقط بضعف البرامج أو الخطاب، بل ترتبط أيضًا بعامل أكثر عمقًا، وهو أزمة الثقة، إذ يرى 63% من المستجيبين أن ضعف الثقة الشعبية هو العائق الأكبر أمام عمل الأحزاب السياسية في سوريا، وهذه النسبة المرتفعة تعكس حالة من الشك العام تجاه كل ما هو سياسي، نتيجة لتراكمات طويلة من الفساد، والمحسوبيات، وخيبات الأمل. كما أن ارتباط بعض الأحزاب بقوى خارجية أو برامج غير وطنية زاد من تعقيد هذه الأزمة، وأضعف من مصداقيتها في نظر الشارع السوري.
إلى جانب ذلك، تلعب البيئة القانونية والمؤسسية دورًا حاسمًا في تشكيل هذه العلاقة، فغياب قانون أحزاب عصري واضح، يضمن حرية التنظيم والتمويل والشفافية، يجعل العمل الحزبي محفوفًا بالمخاطر وغير جاذب للمشاركة. وقد أشار نحو 75% من المشاركين إلى أن إصدار قانون حديث للأحزاب هو الشرط الأساسي لبناء حياة حزبية صحية، وهذا يدل على أن السوريين لا يرفضون الأحزاب من حيث المبدأ، بل يرفضون الظروف التي تعمل فيها.
ورغم هذه الصورة القاتمة، لا تخلو الدراسة من مؤشرات إيجابية. إذ يُظهر غالبية السوريين تفضيلهم لنظام سياسي تعددي، حيث عبّر 76% عن دعمهم لنظام حزبي تعددي مفتوح يضمن التنافس والتمثيل، وهذا يعني أن فكرة التعددية السياسية ما تزال حاضرة بقوة في الوعي الجمعي السوري، وأن المشكلة ليست في المبدأ، بل في التطبيق، كما أن هناك إدراكًا متزايدًا لدور الأحزاب في تحقيق الاستقرار وحماية الحريات، وتمثيل مصالح المواطنين.
لا يبدو عزوف السوريين عن الأحزاب تعبيرًا عن سلبية أو انسحاب من الشأن العام، بل هو موقف نقدي وعقلاني، ناتج عن تجربة تاريخية معقدة، وإذا كانت هذه التجربة قد أضعفت الثقة بالأحزاب..
من هنا، يمكن القول إن السوريين يقفون اليوم في مفترق طرق: فهم من جهة يدركون أهمية الأحزاب كأداة لممارسة الديمقراطية، ومن جهة أخرى لا يثقون بالأحزاب الموجودة، هذه المفارقة تضع على عاتق الفاعلين السياسيين مسؤولية كبيرة لإعادة بناء الثقة، من خلال تطوير نماذج حزبية جديدة، أكثر شفافية، وأكثر ارتباطًا بالمجتمع السوري.
إن إعادة الاعتبار للعمل الحزبي في سوريا لا يمكن أن تتم من خلال إعادة إنتاج النماذج القديمة، بل تتطلب قطيعة حقيقية مع الماضي، وبناء أحزاب تقوم على أسس مختلفة: برامج واقعية، وديمقراطية داخلية، واستقلالية عن الخارج، وقدرة على التواصل مع الناس، كما أن الدولة في المرحلة الانتقالية، مطالبة بتوفير بيئة قانونية ومؤسسية تضمن حرية العمل السياسي وتحميه.
في المحصلة، لا يبدو عزوف السوريين عن الأحزاب تعبيرًا عن سلبية أو انسحاب من الشأن العام، بل هو موقف نقدي وعقلاني، ناتج عن تجربة تاريخية معقدة، وإذا كانت هذه التجربة قد أضعفت الثقة بالأحزاب، فإنها في الوقت ذاته قد رفعت من سقف التوقعات تجاهها، وهذا يعني أن أي حزب يريد أن يكون جزءًا من مستقبل سوريا، عليه أن يثبت جدارته ليس بالشعارات، بل بالفعل.
هكذا، يمكن فهم العلاقة بين السوريين والأحزاب السياسية بوصفها علاقة في طور إعادة التشكل، تتأرجح بين الإرث الثقيل للماضي وإمكانات المستقبل، وهي علاقة مفتوحة على احتمالات متعددة، يتوقف مسارها على قدرة السوريين نخبًا ومجتمعًا على تحويل الوعي السياسي المرتفع إلى ممارسة مؤسسية حقيقية، تعيد للأحزاب السياسية دورها الطبيعي كجسر بين الدولة والمجتمع، لا كحاجز بينهما.
- تلفزيون سوريا


























