منذ اللحظة الأولى التي تسرّب فيها خبر حلّ الأمانة العامة للشؤون السياسية، كان واضحاً أن السلطة في سوريا تدخل مرحلة جديدة من إعادة توزيع مراكز القوة داخل الدولة، وأن المشروع الذي أطلقته وزارة الخارجية عام 2025 لإعادة هندسة المجالين السياسي والاقتصادي وصل الى نهايته. فالأمانة التي أنشأها وزير الخارجية أسعد الشيباني في آذار/ مارس 2025، ومنحها صلاحيات استثنائية لإدارة أملاك حزب البعث والمنظمات التابعة له، والإشراف على النقابات وضبط العمل السياسي الداخلي، طُويت صفحتها سريعاً قبل أن تستقر أو تتجذر، بعد إبلاغ موظفيها بحلّها عملياً ونقل كوادرها إلى وزارة الخارجية ووزارات أخرى، رغم عدم صدور قرار رسمي حتى لحظة كتابة هذه السطور.
هذا التطور لا يمكن فصله عن الجدل الذي رافق تأسيس الأمانة منذ يومها الأول، وهو ما يعزز صوابية القراءات والتحذيرات التي سبق طرحها في موقع “المدن” خلال العام الماضي، فقد تبيّن أن محاولة إقحام وزارة الخارجية نفسها في ملفات تتجاوز اختصاصها الدبلوماسي لتشمل إدارة السياسة الداخلية، والعمل النقابي، والسيطرة على تركة حزب البعث المادية والسياسية خارج الأطر المؤسسية والتشريعية التقليدية، هو مسار غير قابل للاستمرار، ويفتح الباب أمام تضارب الصلاحيات وصراعات النفوذ.
اليوم، ومع الإعلان غير الرسمي عن حلّ الأمانة العامة، تعود الأسئلة ذاتها، لكن بثقل أكبر، وفي مقدمتها سؤال مصير أموال وممتلكات البعث التي وضعت وزارة الخارجية يدها عليها منذ 2025، والكيفية التي ستُدار بها هذه الموارد بعد تفكيك الهيئة التي كانت تمسك بخيوطها.
فقرار حل الأمانة العامة للشؤون السياسية يُعد اعترافاً صريحاً بانسداد الأفق أمام محاولة إعادة إنتاج “التحكم الشمولي” في سوريا الجديدة. فهذه الهيئة التي أنشئت لتكون مركزاً موازياً للقرار السيادي يتحكم بالفضاء النقابي والنشاط السياسي والمدني ويرث تركة “البعث” المادية والسياسية، لم تكن سوى استنساخ لآليات الهيمنة التي سادت في عهد الأسد المخلوع. وقد جاء تعثّرها نتيجة طبيعية لغياب الأساس القانوني والدستوري، وتضارب صلاحياتها مع مؤسسات الدولة. وما الحديث الرسمي عن “اللغط حول ماهيتها وعدم تجانس فروعها” إلا مجرد غطاء لمأزق بنيوي أعمق، يتمثل في ولادة هيئة بلا إطار مؤسسي وبلا توافق حتى داخل أروقة السلطة نفسها.
إن هذا القرار يحمل دلالة إيجابية أولية باعتباره يمثل تراجعاً عن نهج “الأجهزة الموازية” واعترافاً بفشل تجربة الالتفاف على المؤسسات الشرعية. إلا أن هذه الإيجابية تظل محفوفة بالشك، فالخشية أن يكون هذا التفكيك مجرد تمهيد لإعادة تدوير “منطق الوصاية” بأسماء جديدة، تماماً كما يوحي التوجه لإنشاء “هيئة مستقلة” للنقابات. فالعبرة تكون بمدى استعداد السلطة للانتقال من عقلية السيطرة إلى رحاب القانون، وأي محاولة للالتفاف على هذا المسار ستصطدم حتماً بالواقع وبحدود الصراعات داخل بنية السلطة نفسها.
لكن الإشكالية الأهم اليوم لا تتعلق بمصير الهيئة نفسها، بل بمصير الملفات التي تراكمت بين يديها، وعلى رأسها ملف أملاك حزب البعث وأمواله. فمنذ عام 2025، استحوذت وزارة الخارجية على مقار الحزب، وأمواله وممتلكاته العقارية، إضافة إلى أموال التسويات التي جُمعت تحت عناوين متعددة. هذا الملف لم يُدار وفق أي مقاربة للعدالة الانتقالية، ولم يخضع لرقابة قضائية أو برلمانية، بل تحوّل إلى ما يشبه “غنيمة سياسية” استُخدمت لإعادة توزيع النفوذ داخل السلطة. في تجارب أخرى خرجت من أنظمة أحادية، تحوّلت أملاك الأحزاب الحاكمة السابقة إلى صناديق تعويض للضحايا أو أدوات تمويل للإصلاح المؤسسي، بينما يجري في الحالة السورية التعامل مع هذه الكتلة المالية والعقارية كرصيد مغلق يجري تنازع السيطرة عليه داخل السلطة ذاتها. ومع حلّ الأمانة العامة، يبرز سؤال عن مصير تلك الأموال: من يمتلكها؟ ومن يقرّر كيفية استخدامها؟ فلا جهة أعلنت رسمياً استلام الملف، ولا آلية رقابية معلنة، ولا حتى جردة مالية منشورة توضح مصير العقارات والأرصدة والحسابات والعقود التي أبرمتها الأمانة خلال عام من عملها.
إلى جانب ذلك، يبرز سؤال آخر يتعلق بتشكيل “هيئة مستقلة للنقابات” التي تُقدَّم بوصفها خطوة لتنظيم العمل النقابي، بينما هي في جوهرها محاولة لإعادة ضبط واحدة من أهم أدوات السيطرة السياسية في سوريا. فالنقابات كانت، لعقود، جزءاً عضوياً من منظومة الضبط التي اعتمدها حزب البعث ونظام الأسدين في تحويل النقابات إلى مجرد أجهزة تساعده في السيطرة على المجتمع. وبعد سقوط الأسد وحل حزب البعث، بقي هذا الملف بلا راعٍ سياسي معلَن. وقد حاولت الأمانة العامة أن تتقمّص هذا الدور وفشلت. ومع حلّها، لا يبدو أن السلطة مستعدة لترك النقابات تستعيد استقلالها الطبيعي. لذلك جاء الحديث عن إنشاء “هيئة مستقلة”، فقط لإخراج الملف من يد وزارة الخارجية، ليبقى في دائرة السيطرة السياسية.
باختصار، إن حلّ “الأمانة العامة” يطوي محاولة متعثرة للالتفاف على المؤسسات، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية هذا النهج، بل يضع السلطات السورية أمام استحقاقين لا يمكن تجاوزهما: الأول هو الإقرار بأن بناء الحياة السياسية لا يتحقق عبر أجهزة الوصاية، والثاني هو كشف مصير إرث “البعث” المالي والسياسي أمام الرأي العام بكل شفافية. وما لم يتحول هذا الملف إلى مسار قضائي ورقابي معلن، فإن كل ما يُقدَّم من بدائل، بما فيها الحديث عن تشكيل “الهيئة المستقلة للنقابات”، لن يخرج عن كونه محاولة لإعادة إنتاج السيطرة بوجوه مختلفة.
فالتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في حل الهيئات المتعثرة فحسب، بل في القدرة على بناء مؤسسات وطنية تتجاوز منطق “الغنيمة” لندخل في رحاب القانون والدستور. ومن دون هذا التحول الجذري، ستظل سوريا تدور في حلقة مفرغة، حيث يُفكك مشروع ويولد آخر تحت مسميات جديدة، بينما تظل الدولة الحقيقية والعدالة والمؤسسات المستقلة أهدافاً غائبة ومؤجلة.


























