تتجه دمشق بثبات نحو إعادة تموضعها الجيوسياسي، بما يعكس انتقالها من موقع المتأثر بتقاطعات الصراعات إلى موقع الفاعل المسؤول الساعي للإسهام في صياغة الحلول الإقليمية.
وإن هذا التوجّه لا يأتي بمعزل عن تطورات ملموسة، في مقدمتها استعادة قدر معتبر من الاستقرار الداخلي، والانفتاح المتدرّج على العمق العربي، إلى جانب تنامي القناعة لدى العديد من الأطراف الإقليمية والدولية بأن أي مقاربة واقعية ومستدامة لأزمات المنطقة لا يمكن أن تكتمل دون دور سوري محوري ومتوازن.
لذا، فإن سوريا اليوم أصبحت محل اهتمام ومحط أنظار العالم بكامله، بحكم موقعها الجيوبوليتيكي المهم في منطقة الشرق الأوسط، وبحكم سياستها الخارجية الديناميكية التي تنتهجها القيادة السياسية السورية مع دول المنطقة للحفاظ على التوازن الاستراتيجي، في خضم تعقيدات المشهد الإقليمي، ولا سيما الدور الإسرائيلي الذي يدفع نحو التصعيد وعدم الاستقرار، كما يظهر في غزة ولبنان وسوريا، مع استمرار التهديدات تجاه دمشق، ما جعلها محط اهتمام إقليمي ودولي.
ثمة محطات في تاريخ الشعوب لا تكون التحديات فيها إسقاط نظام أو تغيير سلطة فحسب، وإنما الانتقال من منهجية كاملة في التفكير إلى طريقة أخرى.
كما أن إدارة القضايا والملفات بذكاء وسياسة المشكلات الصفرية المعمّقة مع الدول المحيطة، من بينها إعادة صياغة العلاقات مع الأردن وتركيا ودول الخليج، مع التركيز على عدم الدخول في اتفاقات منفردة، من ضمنها الترتيبات الأمنية مع تل أبيب، إلا ضمن مظلة عربية، كل ذلك النهج عزّز موقع سوريا كفاعل أساسي لا يمكن تجاوزه. وهو نهج أسهم في خلق توازن في العلاقات السياسية بين دمشق ومحيطها العربي والإسلامي، وبالتالي باتت سوريا لاعبًا أساسيًا في المشهد الإقليمي والدولي.
فثمة محطات في تاريخ الشعوب لا تكون التحديات فيها إسقاط نظام أو تغيير سلطة فحسب، وإنما الانتقال من منهجية كاملة في التفكير إلى طريقة أخرى.
إن سوريا اليوم تقف، بعمق، أمام هذا النوع من اللحظات الحاسمة والدقيقة. فالمسألة لم تعد محصورة في إعادة ترتيب المشهد السياسي أو الإداري بعد عقود من الاستبداد، وإنما في كيفية بناء فكر جديد للدولة، وللسياسة، وللعلاقة بين المجتمع والسلطة، بعد أكثر من ستين سنة من التشوهات البنيوية العميقة.
وتعيد الحكومة السورية صياغة حساباتها من أجل تغيير السياسة الخارجية السورية في التوازنات الإقليمية، بالتوازي مع سعي واضح للقيام بدورها في ساحة تعصف بها الصراعات والتناقضات، لتتحول من ساحة صراع إلى طرف فاعل يقدّم نفسه بوصفه جزءًا من الحلول.
تسعى سوريا الجديدة إلى تقديم نفسها حلًا للأزمات الاستراتيجية، ولا ترى مصلحة في الاصطفاف مع أي من أطراف النزاع؛ لذا فإن دمشق تنهج سياسة الحياد الإيجابي، التي تقوم على الحفاظ على الحوار مع الجميع، والوقوف على مسافة واحدة من مختلف الأطراف، مع إبقاء قنوات الحوار مفتوحة. وقد سمحت لها هذه المقاربة باستعادة جزء من دورها كوسيط محتمل في ملفات معقدة، خصوصًا في لبنان والعراق.
فقد سعت دمشق، من خلال التطورات الأخيرة، إلى تعزيز علاقاتها مع دول عربية وغربية، مستندة إلى التزامها الحياد منذ اندلاع المواجهات الإقليمية الأخيرة والحرب الإسرائيلية الأميركية الإيرانية. كما تسعى سوريا بشكل حثيث إلى تسخير موقعها الجغرافي عنصرَ قوة، عبر طرح نفسها ممرًا بديلًا للطاقة، في ظل تعطل المحاور التقليدية بفعل الاضطرابات والتوترات السياسية والاقتصادية العالمية الناشئة.
كما استطاعت سوريا تحويل عدد من الدول من الضفة المعادية إلى ضفة الحليف الرديف. وتشير المعطيات الأخيرة إلى أن قوافل من النفط العراقي تُنقل برًا من العراق إلى الأراضي السورية، قبل إعادة تصديرها عبر ميناء بانياس إلى الأسواق الأوروبية، في مسار يتجاوز القيود التي فرضتها تداعيات إغلاق مضيق هرمز. وهذا الخيار يعيد لسوريا موقعها الجيوبوليتيكي بوصفها أحد الشرايين البديلة للطاقة، ويزيد من أهميتها في الحسابات الاقتصادية والسياسية بين دول المنطقة الفاعلة.
ويُنظَر إلى هذا التطور باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع لتعزيز أدوات القوة الناعمة من خلال الاقتصاد والتكامل الإقليمي. وهذه السياسة لا تعكس فقط خيارًا تكتيكيًا، بل تعبّر عن رؤية استراتيجية تسعى إلى ترسيخ الاستقرار الإقليمي عبر أدوات دبلوماسية مرنة تعزّز حضور سوريا جسرَ تواصل بين مختلف القوى، لا ساحةً لتقاطعها.
وبما أن الجغرافيا السورية تُعد نقطة ارتكاز رئيسة لاكتمال الدائرة التطبيقية للجيوبوليتيكا العالمية، فإن الموقع الجغرافي والسياسي لسوريا يفرض تحديات كبيرة تتطلب دقة في إدارة التحالفات، خاصة مع تضارب المصالح بين الحلفاء أحيانًا. كما أن سعي الحكومة لتحويل سوريا من ساحة صراع إلى منصة لحل الأزمات يتناسب مع إمكاناتها، وقد يكون مفيدًا للبلاد، غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرهونًا بتطورات المنطقة، التي قد لا تسمح بالحياد الكامل أو البقاء خارج الاستقطابات.
قد تعرّضت سوريا، قبل الثورة السورية وفي أثنائها، لأزمة كبيرة أدّت إلى فوضى عارمة نتيجة لفشل الدولة، فظهرت مشكلة الإرهاب، ومشكلة النزوح والهجرة غير الشرعية واللاجئين، ومشكلة الإغاثة، وتحولت المشكلة السورية إلى كارثة إنسانية ومشكلة عربية حقيقية.
ووسط كل ذلك، تبدو دمشق أمام فرصة لإعادة صياغة موقعها في الإقليم، مستفيدة من مزيج من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية، غير أن هذه الفرصة ترافقها تحديات كبيرة تتعلق بقدرتها على الحفاظ على سياسة الحياد في بيئة تميل بطبيعتها إلى الاستقطاب.
وليس بخافٍ على المتابعين للشأن الاستراتيجي العالمي والمهتمين بالجغرافيا السياسية أن سوريا تمتاز بشبكة من شرايين الطرق البرية. غير أن ما وصلت إليه سوريا من ضياع لمركز القوة السيادية للسلطة الوطنية كان نتيجة لضعف حكومة نظام الأسد البائد، التي تخلّت عن زمام السلطة السيادية، وسلّمتها للقوى الخارجية الأجنبية التي تسببت بتدويل الأزمة السورية وتشتيتها إقليميًا، في شكل أوراق سياسية في أروقة المنظمات الدولية وبيد أنظمة الدول المجاورة والقوى الإقليمية المهيمنة.
حتى أصبح الدور الروسي والإيراني بديلًا عن النظام البائد آنذاك، بينما أصبح العربي والأوروبي والتركي وكيلًا عن المعارضة السورية، شأنه شأن النظام السوري. ولم يعد ممكنًا العودة إلى حال ما قبل الثورة السورية، فقد بدا ضعف الدولة السورية وهزالها بوضوح، وفقدت هيبتها، وخصوصًا نتيجة لأزمة إنهاء الدور السوري في لبنان، ومشكلة القضاء على حزب الله.
وقد تعرّضت سوريا، قبل الثورة السورية وفي أثنائها، لأزمة كبيرة أدّت إلى فوضى عارمة نتيجة لفشل الدولة، فظهرت مشكلة الإرهاب، ومشكلة النزوح والهجرة غير الشرعية واللاجئين، ومشكلة الإغاثة، وتحولت المشكلة السورية إلى كارثة إنسانية ومشكلة عربية حقيقية.
وفي الختام، لا بد أن تقوم الكيانات السياسية السورية والهيئات ومراكز الدراسات والأبحاث بدراسة الوضع الجغرافي الاستراتيجي السوري، وأن تُكثَّف النقاشات واللقاءات حول وضع تصور متفق عليه بشأن حجم ودور سوريا، من خلال جغرافيتها على وجه الخصوص، ليُبنى على ذلك رسم دور سوري جديد في المنطقة، نابع من مكانتها على الخريطة الإقليمية من جهة، والدولية من جهة أخرى.
- تلفزيون سوريا

























