جلس الزّعيم الصّينيّ شي جين بينغ بهدوئهِ المعهود إلى جانب الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، مُدركاً أنّ واشنطن، التي طالما حاولت مُحاصرَتَهُ بالتعريفاتِ الجمركيّة، جاءت لتبحثَ عن “مخرجٍ اضطراريٍّ” من حربٍ لا يريدُها أحد، لكن لا يعرفُ أحدٌ كيف يُنهيها دونَ أن يَكسرَ هيبةَ “العَظَمة” “الأميركيّة” أو يَنحرَ “العناد” الإيرانيّ. لكنّ حسابات بكّين وزعيمها عكّرها ترامب بتصريحه قبل سفره أنّه لا يعتقد أنّه بحاجة إلى مساعدة الصين لإنهاء الحرب على إيران.
الورقة الإيرانيّة في جيب شي
قبل 3 أيّامٍ فقط من هذهِ الزّيارةِ المِفصليّةِ، بعثَت طَهران بردِّها على مقترحِ “وقفِ الحربِ” عبر باكستان. لم يكُن الرّدُّ انتحاريّاً بالكاملِ، ولم يكن أيضاً استسلاماً. كانَ رسالةً مُشفّرةً مَكتوبة بحبرٍ صينيٍّ. إيران، التي تَرتَبطُ مع الصّينِ بشراكةٍ استراتيجيّةٍ تمتدُّ لربعِ قرنٍ، تدركُ أنّ بكّين هي نافذتُها الوحيدة الباقية على العالم. اليوم، تمنح طهرانُ بكّينَ “ورقة تفاوضٍ” ذهبيّة لتَستَخدِمَها في مواجهةِ دونالد ترامب.
ليست الصّين مشترياً ومُستهلكاً للنّفطِ الإيرانيّ الرّخيصِ المهرّبِ من العقوباتِ وحسب، بل هيَ أيضاً “الضّامن” الذي يثقُ به المُحافِظون في طهران أكثر ممّا يثقونَ بوعودِ الأوروبيّينَ المُتَردّدةِ. من هُنا، تكمن أهمّيّة زيارة ترامب في كونها منصّة لرسمِ معالمِ “الصّفقةِ الكُبرى” التي تتجاوزُ حدودَ التّجارةِ وتصل إلى عمقِ الأمنِ القوميّ في الشّرقِ الأوْسطِ.
ظلالُ “اتّفاقِ آذار”: الدّرُوسُ المُستفادةُ
لا يدخُلُ ترامب “المَدِينَةَ المُحرّمَةَ” ليُناقِشَ فرضيّاتٍ، بل لِيصطَدِمَ بواقعٍ جِيوسياسيّ ثَبّتَت الصّينُ أركانَه في 10 آذار 2023. حِينَهَا، فاجَأت الصّينُ العَالمَ بانتزاعِ مُصالَحَةٍ تَارِيخيّةٍ بيْنَ الرّياضِ وطهرانَ، وحقّقَت ما عجِزَت عنهُ الدّبلومَاسِيّة الغربيّة لعقُودٍ.
يُدرِكُ ترامب أنّ بكّين ليْست وسيطاً وحسب، بل هِيَ “كفيلٌ” يَملكُ أدواتٍ اقتصاديّةً تَجعلُ من الصّعبِ على طهرانَ التّراجُعَ عن التزاماتِهَا
هذا الاستذكارُ هُو ما يمنحُ زيارةَ ترامب ثقَلاً استثنائيّاً، فبكّين التي نَجحَت في تَبريدِ صَفيحِ الخَليج العربيّ السّاخِنِ بينَ القُطبَيْنِ الكبيرَيْنِ، هيَ الوحيدةُ التي تملكُ “كتالوغَ” التّعامُل مع العَقلِ الإيرانيِّ.
يُدرِكُ ترامب أنّ بكّين ليْست وسيطاً وحسب، بل هِيَ “كفيلٌ” يَملكُ أدواتٍ اقتصاديّةً تَجعلُ من الصّعبِ على طهرانَ التّراجُعَ عن التزاماتِهَا. لقَد أثبتَتِ الصّين أنّ “الدّبلومَاسيّة الصّامِتَةَ” قادرة على إنزالِ الجميعِ عن الشّجَرةِ، وهوَ ما يَطمحُ ترامب إلى استنْساخِه اليومَ في المَلفّ النّوويّ الإيرانيِّ.

السّيناريو الصّينيّ: الغبار النّوويّ مقابل الاستقرار
كانت المعضلةُ الكبرى في أيّ اتّفاقٍ مع إيران دائماً “المصير”: أينَ تذهبُ مخزونات اليورانيوم المُخصّبِ؟ كيفَ يُمكنُ انتزاع أنيابِ البرنامجِ النّوويّ من دونِ إذلالِ طهران؟
هُنا يأتِي الدورُ الصّينيّ الذي قد يُغيِّر قواعدَ اللّعبةِ:
– استضافةُ “الغُبارِ النوويّ”: تَتَحدّثُ الكواليسُ عن مُقترحٍ صينيٍّ يَقضِي بنقلِ اليورانيُوم المُخصّب، أو ما يُسمّى الغبارَ النوويّ، من الأراضِي الإيرانيّةِ إلى مُستودَعَات في الصِّين تحتَ رقابةٍ دوليّة. يسمحُ هذَا المخرجُ لترامب بالقولِ إنّهُ “نَزَعَ السّلاحَ النّوويَّ الإيرانيّ” فعليّاً، ويسمحُ لإيران بالقولِ إنّهَا لم “تُسلّم” سلاحَهَا لعَدُوّهَا اللّدُودِ، بل وضعتْهُ في “أمانةِ” الحليفِ الاستراتِيجِيّ.
– إنزالُ طهرانَ عن الشّجرةِ: تُدركُ بكّين أنّ القيادةَ في إيران بِحاجةٍ إلى “سُلّمٍ” للنّزولِ عن شجرةِ المطالبِ العاليةِ، وخصوصاً مع تزايدِ كلفةِ الحربِ والحصارِ الاقتصاديّة والعسكريّةِ. تستطيعُ الصّينُ أن تقدِّمَ ضماناتٍ اقتصاديّة واستثمارات بملياراتِ الدّولارات في البِنيةِ التّحتيّةِ الإيرانيّةِ، مُقابل تنازلاتٍ مُؤلمةٍ فِي المَلف النّوويّ والبالستيّ، وهو ما لا يستطيعُ أيّ وسيطٍ آخر فِعلَه.
– مخرجٌ لترامب: ترامب، “تاجرُ الصّفقاتِ” الذي يكرهُ الحروبَ الطّويلةَ والمُكلفةَ، يبحثُ عن انتصارٍ دبلوماسيٍّ سريعٍ يُلمّعُ صورتَهُ قبل الاستحقاقات المُقبلةِ في الولاياتِ المُتّحدةِ. بكّين هي الجهةُ الوحيدةُ تقريباً القادرةُ على صِياغَةِ هذا الانتصار وتقديمه على “طبقٍ صينيٍّ” مُزخرفٍ، مقابلَ تخفيف الضّغوطِ التّجاريّةِ على صادراتِها.
لا يدخُلُ ترامب “المَدِينَةَ المُحرّمَةَ” ليُناقِشَ فرضيّاتٍ، بل لِيصطَدِمَ بواقعٍ جِيوسياسيّ ثَبّتَت الصّينُ أركانَه في 10 آذار 2023
ميزان القوى في “المدينة المحرّمة“
إنَّ أهمّيّة هذهِ الزّيارة تكمنُ في أنّ الصّينَ لم تعد تكتفي بدورِ المُتفَرّج. إنّها تريد أن تثبت لترامب أنَّ “طريقَ الحرِيرِ” يَمرّ حَتماً عبرَ أمنِ الخليجِ العربيّ، وأنّ مفاتيحَ التّهدئَةِ في طهران مَوجودةٌ في “المَدِينةِ المُحرّمَةِ” ببكّين.
يُمكنُ تلخيصُ مَسارِ الحَربِ والسّلمِ في النّقاطِ التاليَةِ:
1- المُقايضةُ الكُبْرَى: ترامب قَد يتغاضَى عن بعضِ القُيودِ التّجاريّة مقابلَ “تَجميدٍ شَاملٍ” للنّشاطِ الإيرانِيّ برعايَةٍ صِينيّةٍ.
2- الأمنُ البَحريُّ: الصّينُ هي المُتضرّرُ الأكْبرُ من إغلاقِ مَضيقِ “هرمُز”، ولديهَا من أوراقِ الضّغطِ على طهرانَ ما يَضمنُ تَدفُّقَ النّفطِ، وهوَ مَطلبُ ترامب الأوّل لاستقرارِ الأسواقِ العالميّة.
3- الشّرعيةُ الدّوليّة: أيّ اتّفاقٍ تضمنُهُ بكّين سيُعطي الغِطاءَ لروسيا وبقيّةِ القوى الكُبرَى، وهو ما يُنهي حالةَ العُزلةِ التي حَاولَ ترامب فرضَها على إيران، ويستبدلُهَا بحالةِ “احتواءٍ” تَقُودُهَا الصّينُ.
هل يَبتسمُ شي لترامب؟
يزور ترامب الصّين وهوَ يَعلمُ أنّ “الرّجلَ القويَّ” في بكّين يُمسِكُ بخيوطِ اللّعبةِ في طَهران. لم تعد المسألةُ تَتَعلّق بأسْعارِ الصّلبِ أو الألومنيُوم، بل بِمن سَيَمنع انفجارَ الشّرقِ الأوسَطِ.
هل يشترِي ترامب السّلَّم الصّينيَّ لإنزال مُجتبى خامنئي عن الشّجرةِ أوّلاً؟ يكمنُ الجوابُ في تفاصيلِ الوجوه في صُورِ القمّةِ.
- أساس ميديا























