ملخص
توصف الإجراءات الأمنية، التي اعتمدها العراق على الشريط الحدودي مع سوريا، بكونها من أكثر الخطط الحدودية تطوراً منذ عام 2003.
تشمل منظومة الدفاع الحدودي كاميرات حرارية ورادارات وحساسات أرضية، وطائرات مسيرة مرتبطة بغرف قيادة وسيطرة تعمل على مدار الساعة.
“هي الأعظم في تاريخ الدولة العراقية“، هكذا وصف مدير العلاقات والإعلام في وزارة الداخلية اللواء مقداد ميري الإجراءات الأمنية لضبط الحدود مع دول الجوار، جاء ذلك خلال مؤتمر عقد في وزارة الداخلية لاستعراض منجزات الوزارة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026.
وأوضح ميري أن العراق نفذ 12 عملية خارج العراق لمكافحة المخدرات بالتعاون مع دول الجوار، عبر تبادل المعلومات مع لبنان وسوريا، وأن أكثر العمليات عدداً نفذت داخل سوريا وأثمرت عن إلقاء القبض على تجار مخدرات.
وأعلن ميري خلال المؤتمر إنجاز الجدار الكونكريتي عند الحدود مع سوريا بطول 380 كيلومتراً، وهو مزود بـ905 كاميرات حرارية تعمل على مدار 24 ساعة. ولتعزيز الإجراءات الأمنية، حفر خندق بطول 200 و729 متراً وجرى تجهيز منظومات شمسية للأماكن التي ليست فيها مصادر للطاقة، وتم نصب 1606 أبراج كونكريتية على الحدود التي أصبحت مؤمنة بالكامل، على حد قول مدير العلاقات والإعلام في وزارة الداخلية اللواء مقداد ميري.
كذلك عزز العراق الحدود بأبراج مراقبة ذكية، إذ تسلم أكثر من 36 برجاً مجهزاً بكاميرات حرارية وأجهزة اتصال ومنظومات مراقبة بعيدة المدى، إضافة إلى نشر نحو 150 برج مراقبة إضافياً على طول الحدود. وتستخدم أيضاً أجهزة استشعار بالأشعة تحت الحمراء لاكتشاف الحركة قرب الخنادق والسياج الأمني، إذ تعمل تلقائياً وترسل إنذارات عند مرور أشخاص أو مركبات، بخاصة في المناطق الصحراوية المفتوحة.
أكثر الخطط الحدودية تطوراً منذ عام 2003
وصف الباحث في سياسات الإعلام الدولي والمتخصص بالتحليل الاستراتيجي الأمني مصطفى الحديثي الإجراءات الأمنية التي اعتمدها العراق على الشريط الحدودي مع سوريا بأنها “من أكثر الخطط الحدودية تطوراً منذ عام 2003، تقوم على مبدأ التحصين المتعدد الطبقات، المتمثل في دمج العوائق الهندسية مع التكنولوجيا الحديثة والجهد الاستخباري والمراقبة الجوية”.
فعلى المستوى الهندسي، أنشئ جدار كونكريتي بطول 380 كيلومتراً، إضافة إلى خنادق وموانع ترابية وسواتر تمنع حركة العجلات والأفراد في المناطق الصحراوية المفتوحة، كذلك جرى إنشاء أبراج مراقبة لتغطية الفراغات الحدودية.
أما على المستوى التقني، فيوضح الحديثي أن نشر 905 كاميرات حرارية كفيلة بالكشف عن التحركات ليلاً ونهاراً وفي الظروف الجوية الصعبة. وترتبط هذه الكاميرات بغرف قيادة وسيطرة مركزية تعمل على مدار الساعة، مع استخدام الطائرات المسيرة للمراقبة والاستطلاع الفوري. إدارة هذه المنظومة المعقدة تعتمد على تنسيق عالي المستوى بين وزارة الداخلية وقيادة العمليات المشتركة والأجهزة الاستخبارية، وهذا يجعل القرار الأمني أكثر سرعة ودقة في الاستجابة لأي خرق أو تسلل.
كيف ينظر العراق لحدوده مع سوريا؟
ينظر العراق إلى حدوده مع سوريا بوصفها إحدى أكثر الجبهات حساسية في معادلة الأمن الإقليمي، فالمخاوف لا تقتصر على تسلل عناصر متطرفة فحسب، بل تمتد إلى شبكات تهريب السلاح والمخدرات ومحاولات إعادة تدوير الفوضى داخل الفراغات الصحراوية الواسعة. هذا ما قاله المحلل السياسي العباس الدوري، وهو يرى أن الهدف من نشر الكاميرات الحرارية والجدار العازل من الجانب العراقي هو لتحويل الحدود من خطوط رخوة إلى مناطق مراقبة وسيطرة ميدانية متقدمة، بما يعزز قدرة بغداد على احتواء أي تهديد قبل انتقاله إلى العمق العراقي. لا سيما وأن هناك إدراكاً متبادلاً بين بغداد ودمشق بأن إعادة تنشيط المعابر الرسمية لا يمكن أن تنفصل عن ترتيبات أمنية مشددة، لأن استقرار الحدود أصبح شرطاً أساسياً لعودة الحركة التجارية والاقتصادية. فالتحركات الحالية تعكس وجود تفاهم أمني غير معلن بالكامل يقوم على مبدأ تأمين المعبر قبل تفعيله، خصوصاً أن معبر ربيعة يمثل نقطة حيوية لربط المصالح الاقتصادية بين البلدين، ومنع استغلال الانفتاح الحدودي من الجماعات المسلحة أو شبكات التهريب.
الأخطار المحدقة بالعراق
يرى اللواء ضياء الوكيل الخبير في شؤون الأمن والدفاع أن الإجراءات الاحترازية، التي اتخذها العراق لحماية حدوده مع سوريا، قادرة على إحباط أية محاولة للتسلل أو الاختراق المعادي، وتتسم تلك الإجراءات بالتكامل والتنسيق والحذر في التعاطي مع الموقف. الوكيل يوضح أنه وعلى رغم أهمية هذا الملف، إلا أن ذلك لا ينفي أن الأخطار المحدقة بالعراق تكمن في الداخل قبل الخارج، “فالأمن والقوة مرتبطان بالسياسة، والمنطق الاستراتيجي يقوم على مبدأ الحكمة السياسية هي أم الحكمة العسكرية، وأي خلل أو أخطاء في تطبيق هذا المفهوم يؤدي إلى فقدان الإجراءات للحصانة الاستراتيجية”.
وفي السياق ذاته، يرى المحلل العباس الدوري أن الإجراءات الحالية تمثل تطوراً مهماً في البنية الدفاعية العراقية، لكنها وحدها لا تكفي لتحقيق إغلاق كامل للحدود، لأن التحدي الحدودي مع سوريا معقد ومتغير ويتجاوز العامل العسكري إلى أبعاد استخبارية واقتصادية وحتى اجتماعية. نجاح هذه الإجراءات مرهون بتكاملها مع الجهد الاستخباري والتنسيق الميداني المستمر، إضافة إلى ضرب شبكات التمويل والتهريب، لأن أمن الحدود اليوم لم يعد يقاس بالجدران فقط بل بقدرة الدولة على إدارة الحرب الصامتة ضد الشبكات العابرة للحدود.
من هي الأجهزة الأمنية التي تحمي الحدود؟
تستخدم القوات العراقية على الحدود مع سوريا منظومة أمنية متطورة، تعتمد على المراقبة الإلكترونية والتحصينات العسكرية لمنع التسلل وتأمين الحدود. في هذا السياق، يسرد الباحث والمحلل السياسي والأمني أحمد العلواني تفاصيل القوات الأمنية التي خصصت لمراقبة الحدود العراقية – السورية، إذ تعتمد القوات العراقية للمراقبة الجوية على الطائرات المسيرة (الدرون) لمتابعة التحركات المشبوهة، وكشف التسلل وإرسال بث مباشر لغرف العمليات وتوجيه القوات الأرضية. وقد أعلن العراق توزيع 30 طائرة مسيرة على ألوية حرس الحدود، مع قدرة كل طائرة على تغطية نحو 80 كيلومتراً. كذلك تستخدم منظومات الإنارة والكشافات الليلية على طول السياج الأمني والخنادق، لدعم الكاميرات الحرارية وتأمين الرؤية الليلية وتعزيز السيطرة على الحدود.
العلواني يوضح أن من يتولى حماية الحدود العراقية – السورية هي منظومة أمنية وعسكرية مشتركة تضم حرس الحدود والجيش العراقي والاستخبارات والقوة الجوية، إضافة إلى قوات من “الحشد الشعبي” والحشد العشائري. ويمتد الشريط الحدودي بين العراق وسوريا لمسافة تقارب 600 إلى 618 كيلومتراً ضمن محافظتي الأنبار ونينوى، “تعد قيادة قوات حرس الحدود العراقية الجهة الأساس المسؤولة عن حماية الحدود، وأبرز تشكيلاتها المنطقة الحدودية السادسة في الأنبار، التي تغطي القائم والرمانة وعكاشات والوليد وأجزاء من الرطبة، وتضم أفواجاً عدة حدودية، منها الفوج الأول والثاني والثالث والرابع حدود. كذلك تتولى المنطقة الحدودية الرابعة حماية أجزاء من حدود نينوى، وتضم أفواج حدود ووحدات استطلاع ومراقبة صحراوية”.
ويؤدي الجيش العراقي دور الإسناد القتالي عبر قيادة عمليات الجزيرة المسؤولة عن غرب الأنبار وصحراء الجزيرة والحدود السورية، وتنتشر الفرقة السابعة في القائم والرطبة وحديثة والبغدادي، وتضم الألوية 27 و28 و29 و30، بينما تنتشر الفرقة الـ20 في غرب نينوى، وتضم الألوية 60 و61 و62 و63. وتشمل مهمات هذه القوات حماية الصحراء والطرق العسكرية، وملاحقة خلايا “داعش”، ودعم حرس الحدود.
قوات أخرى
يكمل العلواني تفاصيل القوات المشاركة بحماية الحدود مع سوريا، قائلاً “تشارك قوات ’التدخل السريع‘، ومنها اللواء الأول والثاني، إضافة إلى جهاز مكافحة الإرهاب عبر وحدات الاقتحام والقنص والاستطلاع. وتنتشر أيضاً تشكيلات من ’الحشد الشعبي‘ قرب القائم وعكاشات، ومن أبرز ألوية الحشد الموجودة أحياناً الألوية 13 و17 و19 و45، إلى جانب الحشد العشائري الذي يراقب الطرق الصحراوية ويزود القوات بالمعلومات”. وتشارك القوة الجوية العراقية في حماية الحدود انطلاقاً من قواعد عين الأسد والحبانية والقيارة، مستخدمة طائرات F-16IQ وL-159 وسوخوي Su-25، إضافة إلى مروحيات Mi-35 وBell 407 وطائرات استطلاع وطائرات مسيرة.
أما منظومة الدفاع الحدودي فتشمل كاميرات حرارية ورادارات وحساسات أرضية وطائرات مسيرة مرتبطة بغرف قيادة وسيطرة تعمل على مدار الساعة، كذلك تضم خندقاً حدودياً بعمق يقارب ثلاثة أمتار وعرض بين ثلاثة وأربعة أمتار، وساتراً ترابياً يمتد لمئات الكيلومترات، إضافة إلى جدران كونكريتية في المناطق الأخطر قرب القائم والوليد. وعند رصد أي تحرك مشبوه، يجري إرسال الإحداثيات لغرف العمليات وتحريك أقرب قوة مع إمكان دعمها بالطيران أو المدفعية.
الكبتاغون
لا تقتصر تهديدات الحدود مع سوريا في استمرار محاولات تسلل عناصر تنظيم “داعش” عبر المناطق الصحراوية المفتوحة الممتدة بين الأنبار ونينوى، فهناك تهديدات أخرى تتمثل بملف تهريب المخدرات، ولا سيما حبوب الكبتاغون، إذ يوضح العلواني أن عامي 2025 و2026 شهدا تصاعداً في العمليات الأمنية المشتركة بين العراق وسوريا لمكافحة تهريب المخدرات، بمشاركة حرس الحدود العراقي وقيادة عمليات الجزيرة وجهاز الاستخبارات العراقي وجهاز مكافحة الإرهاب وخلية الصقور الاستخبارية، إضافة إلى مديرية مكافحة المخدرات السورية، مع دعم استخباري وجوي من التحالف الدولي.
ففي الـ16 من يناير (كانون الثاني) 2026، نفذت بغداد ودمشق عملية مشتركة ضد شبكة لتهريب المخدرات أسفرت عن ضبط 2.5 مليون حبة كبتاغون واعتقال ثلاثة متهمين. كذلك شهد الـ19 من فبراير (شباط) 2026 عملية مشتركة في حمص، أدت إلى ضبط 400 ألف حبة كبتاغون واعتقال شخصين. وفي الـ20 من أبريل (نيسان) 2026 أحبطت محاولة تهريب 500 ألف حبة كبتاغون مع اعتقال متهمين اثنين، بينما أعلنت سوريا في الـ27 من أبريل 2026 تنفيذ ثلاث عمليات مشتركة مع العراق، أسفرت عن ضبط 1.73 مليون حبة كبتاغون.
التنسيق الأمني بين بغداد ودمشق
يتبع العراق سياسة ما يعرف “الصد الاستباقي” في التعامل مع قضية الحدود مع سوريا، لمنع أي تسلل من المسلحين قبل وصوله إلى الداخل العراقي. هذا ما يشير إليه الباحث في سياسات الإعلام الدولي والمتخصص بالتحليل الاستراتيجي الأمني مصطفى الحديثي، الذي تحدث عن مستوى من التنسيق الأمني بين بغداد ودمشق، بخاصة في ملف أمن الحدود وتبادل المعلومات الاستخبارية. وهذا ما أشار إليه مدير العلاقات والإعلام في وزارة الداخلية اللواء مقداد ميري عندما أكد أن سوريا كانت صاحبة “الحصة الأكبر” من التعاون الأمني في مجال المخدرات، “العراق يدرك اليوم أن ملف المخدرات هو تهديد للأمن القومي، لذلك نشهد تنسيقاً متزايداً مع دول الجوار، ومنها سوريا، للكشف عن خطوط التهريب ومسارات التمويل والمخازن. قد لا يكون هناك إعلان رسمي لقوة مشتركة بالمعنى العسكري المباشر، لكن المؤشرات تدل على وجود غرف تنسيق وتعاون استخباري وأمني، بخاصة بعد تنفيذ عمليات مشتركة أو متزامنة لملاحقة المهربين والتجار غير الشرعيين”.
ثم أن إعلان وزارة الداخلية العراقية سقوط ضحايا وجرحى خلال المواجهات مع المهربين، يعكس أن القوات الأمنية تخوض اشتباكاً حقيقياً ومستمراً مع شبكات منظمة تمتلك قدرات وموارد كبيرة، وهو ما يفسر تشديد الإجراءات وتوسيع منظومة المراقبة والسيطرة.
ووفق تقارير أمنية خلال 2025، أسهم التعاون الأمني بين العراق وسوريا في إحباط أكثر من 12 مخططاً لتنظيم “داعش” داخل العراق، فيما أعلن التحالف الدولي تنفيذ عشرات العمليات المشتركة التي أسفرت عن مقتل أو اعتقال نحو 300 عنصر من “داعش” في العراق وسوريا.
في الـ20 من أبريل 2026، أعلن رسمياً افتتاح معبر ربيعة – اليعربية بعد إغلاق دام أكثر من 13 عاماً، ولعل إعادة تأهيل المعابر، ومنها معبر ربيعة، تتطلب بيئة أمنية مستقرة. لذلك فإن تعزيز الإجراءات الحدودية يمثل جزءاً من التفاهمات غير المعلنة بين الجانبين، لضمان أن عودة الحركة التجارية والمدنية لا تتحول إلى ثغرة أمنية.
يختم الحديثي قوله “إن النجاح في مثل هكذا إجراءات أمنية لا يمكن قياسه بعدد المعتقلين، وإنما أيضاً يقاس بانخفاض مستوى الاختراق الحدودي، وتراجع قدرة الجماعات الإرهابية وشبكات التهريب على استخدام الشريط الحدودي كممر آمن”.
- إندبندنت

























