وسام سعادة
حتى الآن لا يزال النقاش حول "المقاومة" في لبنان محصوراً بسؤالين: "الجدوى" و"الكلفة".
أهل هذه "المقاومة" يتباهون بجدواها. "جدواها" في التحرير، والصمود، والردع، وفي التعبير عن الصعود الأهليّ لعصبية بعينها، وفي تقديم النموذج الذي يحتذى للشعوب والمقاومات الأخرى.
في المقابل، يقوم "نقد المقاومة" على أساس الإستفهام حول "كلفتها". كلفتها على الديموقراطية، والإقتصاد، والحياة الثقافية، وقبل كل شيء كلفتها على علاقة الطوائف اللبنانية ببعضها البعض.
والحال أنّ هذا النقاش حول "الجدوى" و"الكلفة" يخضع لمعادلات الإختلال بين فريق يمتلك السلاح وبين فريق أعزل. فالفريق المسلّح سرعان ما يوسّع مفهومه لـ"الجدوى" بحيث يعتبر أنّه من المجدي تماماً استمرار التلويح بمعادلات الإختلال في الميزان العنفيّ.
وفي المقابل يجد الفريق الأعزل من السلاح نفسه في وضعيّة يحاذر فيها من الإرتداد من السؤال حول "كلفة المقاومة" إلى السؤال حول "كلفة إبقاء المقاومة موضع نقاش".
فباختصار، إن إبقاء النقاش في دائرة المفاضلة بين "الجدوى" و"الكلفة" لا يفيد كثيراً منطق العبور من "المقاومة" إلى "الدولة"، بل أنّه يميل إمّا إلى إخراج "المقاومة" نفسها من النقاش، وهو ما تريده بشكل أو بآخر هذه "المقاومة"، وإمّا إلى إخراج النقاش نفسه من دائرة "التثمير" بالشكل النافع والمفيد.
لأجل ذلك، وجب طرح سؤال ثالث غير سؤال "الجدوى" و"الكلفة".
هذا السؤال الثالث هو سؤال "الحق". ليس حق لبنان في المقاومة أو حق هذه المقاومة بحد ذاتها وإنمّا المفهوم الذي تبتنيه هذه "المقاومة" للحقّ.
فعندما تقول "المقاومة" في لبنان بأنّها في غنى عن "الإجماع الوطنيّ" لتقعيد شرعيّتها، وأنّها مكتفية بذاتها وعلاقاتها لإستمرار عملها، فهذا يعني أمراً من ثلاثة على مستوى نظرة "المقاومة" إلى "الحق".
فإمّا أنّ الحقّ بالنسبة إلى هذه "المقاومة" هو "سرّ غنوصيّ"، هرمسيّ، تبلّغته لوحدها أو ورثته لوحدها، ولا يقبل التعميم والإفشاء من الأساس.
وإمّا أنّ الحقّ بالنسبة لها هو عينُ ما تستطيع القيام به، وأنّ حدود الحقّ هي نفسها حدود القوّة، وأنّ القوّة هي العنف وحده. وهذا يدخلنا إلى تأويل عنفيّ لفلسفة الحقّ الطبيعيّ. لا يجري الإنطلاق من "الحق الطبيعي" الممنوح لكل فرد، والذي يجد تكريساً له في فلسفة "حقوق الإنسان"، وإنّما "الحق الطبيعيّ" لفرد جماعيّ واحد، هو "المقاومة".
وإمّا أنّ الحقّ بالنسبة لها هو "حقّ تاريخيّ ملحميّ" يستمدّ، بالحدس، أو بالتجربة، أو بينَ بين، ويعبّر عن موقع في حركة التاريخ، إستناداً إلى تصوّر ملحميّ بطوليّ للتاريخ.
في الحالات الثلاث، يصير مفهوماً أن تؤكّد "المقاومة" على لسان الناطقين بإسمها بأنّها لن تناقش كـ"موضوع" على طاولة الحوار. فالحق إن كان مصدره "سرّاً محجوباً" أو "قانوناً طبيعيّاً" أو "رسالة تاريخيّة" يصير عصيّاً على أي حوار، لا بشأن مصادره، ولا بشأن تطبيقاته. لكن عند هذه النقطة يصير مباحاً، بل مطلوباً أكثر، التساؤل حول المفهوم الذي تبتنيه "المقاومة" في لبنان لحقّها.
في الحالات الثلاث، تقول "المقاومة" انّها في غنى عن "المنظومة الحقوقية القانونية" وانّ علاقتها مباشرة بـ"أصول الحقّ"، سواء كان هذا الحق يردها من "الغيب" أو من "الطبيعة" أو من "التاريخ"، وربّما من مزيج غيبيّ طبيعيّ تاريخيّ.
في الحالات الثلاث، ينبغي مساءلة "المقاومة" عن حقّها وعن مفهومها للحق قبل مساءلتها في الجدوى والكلفة، لأنّ السؤال غير قائم حول "حق لبنان في المقاومة" بالمطلق، وإنّما عن حق هذه "المقاومة" بالذات، "المقاومة الإسلامية"، "حزب الله"، في أن تكون "القائمة بالمقاومة" في لبنان، وفي أن تكون "غنية عن الإجماع". يمكن أن تحاجج المقاومة بأنّها في "غنى عن الإجماع الوطنيّ". لكن لا يمكن أن يمرّ ذلك دون سؤال: وماذا عن الحق في الإستغناء عن الإجماع، من أي مصدر يتأمّن هذا الحق، وما هو معيار الإمتثال لهذا المصدر؟
حتى الآن، ما زلنا نتعامل مع موضوع "المقاومة" من دائرة "الجدوى والكلفة" كما لو كنّا نسلّم جدلاً بمفهوم هذه المقاومة نفسها للحقّ، أي كما لو أننا نستبعد من النقاش صلبه، وجوهره.
"المستقبل"




















