هل صحيح أن حكاية استقلال سورية لم تبدأ مع تحرير سوريا من الاستعمار الفرنسي على أيدي الأبطال يوسف العظمة وسلطان باشا الأطرش وإبراهيم هنانوا وصالح العلي وحسن الخراط وفارس الخوري..الخ، بل مع أول بطل استقلال في تاريخ سورية " النبي العربي محمد"، فقد أخبرنا الدكتور محمد حبش في مقالته التي نشرت على موقع صحيفة تشرين الإلكتروني يوم الخميس الماضي في 15/4/2010 بعنوان " يوم الجلاء في ضمير رجال الفتح الأول": ( حين أعلن رسول الله بنفسه عن بدء إرادة التحرير والخلاص في بلاد الشام.. وأرسل رجاله إلى مؤتة في الأردن، ثم تحرك بنفسه إلى تبوك في أول محاولة حقيقية جادة لتحرير سورية من إرادة الغرباء وليتمكن أبناء التراب السوري من حكم أنفسهم).
حقيقة لم أكن أدري أن "الفتوحات" الإسلامية كانت تهدف إلى تحرير سورية من الروم، أو أنها كانت تهدف إلى تحرير مصر وليبيا وتونس والمغرب والجزائر من الروم أيضاً، أو أنها كانت تهدف إلى تحرير أسبانيا من أهلها ..ويمكن قول نفس الشيء بالنسبة لإيران والباكستان والهند والصين وتركيا ولبقية الدول التي فتحها المسلمون. فلم أسمع قط من مدرّس مادة التاريخ العربي والإسلامي طيلة فترة الدراسة أن سورية نالت استقلالها بعد "فتحها" من قبل جيوش المسلمين القادمة من صحراء الجزيرة العربية..!
درست في كتب التاريخ طيلة اثنتي عشراً عاماً قضيتها على مقاعد الدراسة في المدرسة، فلم أجد فيها ما يشير إلى ما قاله السيد حبش من أن تحرير سورية "كان حلم النبي محمد الدائم، يؤرقه ويقلقه"، لا أدري من أين جاء بهذا الكلام؟ مع أن كل ما تعلمته وتعلمه السيد حبش أيضاً في المدرسة كان يشير بوضوح إلى أن هدف النبي محمد من دعوته الدينية كان من أجل نشر الدعوة الإسلامية وإتمام مكارم الأخلاق في شبه الجزيرة العربية، ثم في البلدان التي "فتحها" وسيطر عليها المسلمون بالقوة بعد وفاته..!!
لنفترض أن ما يقوله الدكتور حبش صحيحاً لجهة أن سورية تحررت ونالت استقلالها على يد خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وآخرون، فلماذا إذا لم يتركوا إخوانهم السوريين يحكمون أنفسهم طالما أن كل شيء في سورية عربي، الكلام عربي والثياب عربية والتقاليد عربية والطعام عربي والغناء عربي؟ ، ولماذا فرضوا عليهم الجزية طالما أنهم جاؤوا محررين.!؟
ثم يخبرنا الدكتور حبش إن "الأمل العربي القومي قد استفاق على يد رسول الله محمد بعد أن كانت الأمة العربية متاعاً موروثاً للأمم تناوب على ابتزازه المستعمر البيزنطي والروماني واليوناني والفارسي" ولا أدري هنا لماذا تجاهل الاستعمار العثماني لبلادنا الذي دام مئات السنين مازلنا نعاني من أثاره السلبية حتى اليوم..!؟
يبدو أن حماسة الدكتور حبش جعلته ينجرف مع عواطفه الجياشة، فباح بما لم نسمعه منه من قبل، فهو يتصور مستقبلاً قاتماً لسورية لولا تحريها على يد أبطاله الاستقلاليين :" كيف نتصور شكل سورية لولا هؤلاء الأبطال الاستقلاليون الأوائل، كيف نتصور تاريخ سورية بدونهم؟" ثم يجيب بنفسه قائلاً : "كان تاريخ سورية سيستمر كواحدة من المستعمرات البعيدة للروم وراء البحار".أسأل السيد حبش هنا عن مصير أسبانيا بعد رحيل العرب عنها، هل مازالت مستعمرة من مستعمرات الروم؟ وهل الصين مازالت ترزح تحت نير الاحتلال البيزنطي؟ وماذا عن المجر ورومانيا واليونان والنمسا وجنوب إيطاليا وفرنسا..هل مازالت أيضا مستعمرات رومانية..!؟
لست أدري بعد تلك المعلومات التاريخية الجديدة والمنسية من تاريخنا السوري التي أتحفنا بها الدكتور محمد حبش، كيف سيحتفل السوريون بعيدهم الوطني العظيم في العام القادم ؟ هل عندما "تحرروا" على يد أسامة بن زيد وخالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم ممن أشار إليهم الدكتور حبش؟ أم سنبقى نحتفل بعيد الجلاء العظيم في السابع عشر من نيسان، الذي صنعه السوريون الأبطال بدءاً من الشهداء الأبرار الذين أعدمهم جمال باشا السفاح " الشيخ عبد الحميد الزهراوي وشفيق المؤيد العظم وشكري العسلي ورشدي الشمعة وسليم الجزائري وسيف الدين الخطيب والأمير عارف الشهابي وأحمد طبارة وعلي عمر النشاشيبي ومحمد الشنطي, والأمير عمر الجزائري حفيد الأمير عبد القادر الجزائري وجورج حداد وعبد الغني العريسي وأمين لطفي الحافظ وعبد الوهاب الانكليزي". وصولاً إلى أبطال النضال ضد المستعمر الفرنسي البطل يوسف العظمة وسلطان باشا الأطرش وإبراهيم هنانوا وصالح العلي وحسن الخراط وفارس الخوري وغيرهم الكثير ممن مهدوا الطريق بنضالاتهم وتضحياتهم لتحقيق الاستقلال الوطني الذي نحتفي به هذه الأيام .؟




















