الحلقة الثانية الاخيرة من دراسة دورية "فورين افيرز" حول الملف النووي الايراني:
ما يجب أن تفعله واشنطن
وما يجب أن تتجنّب فعله
إلى جانب تحميل إيران مسؤولية انتهاك أي من المحظورات الثلاثة، يجب أن تسعى استراتيجيا الاحتواء الأميركية إلى ممارسة تأثير لدى أصدقاء إيران في الشرق الأوسط، وفرض قيود عليهم عند الحاجة. من شأن ديبلوماسية ناشطة تحدّ من الخلافات بين إسرائيل وجيرانها أن تقوّض الجهود الإيرانية الهادفة إلى استغلال الغضب في المنطقة. ومن شأن مجهود ديبلوماسي واقتصادي مكثّف ومنسَّق لتحسين حياة الفلسطينيين، أن يحدّ من قدرة الاستقطاب التي تملكها إيران في أوساطهم. كما أن جذب سوريا إلى عملية سلام إسرائيلية- فلسطينية شاملة لن يحدّ من روابط طهران مع دمشق وحسب، بل سيكبح أيضاً قدرة إيران على إمداد "حزب الله" بالأسلحة. يجب أن تسعى واشنطن إلى الحد أكثر فأكثر من الامتداد الاستراتيجي لإيران عبر تعزيز الإمكانات المؤسسية والعسكرية لأفغانستان والعراق. ويجب أن تطمئن دول الخليج الفارسي بأنها ملتزمة الحفاظ على توازن القوى الموجود، الأمر الذي يقتضي توسيع الاتفاقات التجارية، وتعزيز الأجهزة الأمنية والاستخبارية لهذه الدول، وتطوير مقاربة أكثر تكاملاً لتخطيط الدفاع في المنطقة.
في الوقت عينه، سوف يتعيّن على الولايات المتحدة إقناع هذه الحكومات بالتوقّف عن قمع الأقليات الشيعية لديها، فهذه الممارسة تساعد طهران عن غير قصد. ويجب أن تبذل الولايات المتحدة أيضاً جهوداً دؤوبة لمنع بلدان أخرى في الشرق الأوسط من التسلّح نووياً؛ لا تستطيع الولايات المتحدة أن تشيح بنظرها من جديد، كما فعلت مع باكستان في ثمانينات القرن الماضي. سوف تكون اللهجة والإقناع مهمَّين. يجب أن تبقي واشنطن نصب عينَيها أن إسرائيل والدول العربية ستقرأ انضمام إيران إلى النادي النووي بأنه إخفاق للإرادة السياسية للولايات المتحدة وإظهار لحدود القوة الأميركية. لا تستطيع واشنطن أن تضاعف مشكلة الصدقية التي تعاني منها عبر التردّد أو الترنّح. من شأن رد أميركي غير حاسم أن يقوّض الجهود الهادفة إلى ردع إيران وطمأنة أصدقاء الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة في الوقت نفسه. ويجب أن تضغط واشنطن أيضاً على قوى كبرى أخرى كي تحتوي التهديد الإيراني.
لقد دعم الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن الدولي قرارات متعددة تطالب إيران بوقف نشاطاتها النووية والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. يجب أن تكون لديهم مصلحة أكيدة في معاقبة إيران، التي هي من الموقّعين الأوائل على معاهدة حظر الانتشار، إذا نكثت بتعهّدها الذي يعود إلى عقود خلت بأن تظل قوة غير نووية. من شأن عدم التحرّك أن يقوّض إلى حد كبير سلطة مجلس الأمن الدولي، مع ما يلحقه ذلك من أذى بمكانة الأعضاء الدائمين في المجلس. يجب ممارسة ضغوط على أوروبا كي ترسل جنوداً ومراكب بحرية للحفاظ على التدفق الحر لحركة المرور عبر الخليج الفارسي. يجب أن توقف روسيا تعاونها النووي مع إيران وتتوقّف عن بيعها أسلحة تقليدية. ويجب الضغط على الصين كي تكبح استثماراتها في قطاع الطاقة الإيراني، فهذه الاستثمارات تغذّي إلى حد كبير النزعة القتالية الإيرانية. ينبغي على الولايات المتحدة أن تتحمّل العبء الأكبر في احتواء إيران نووية، لكن لا يكفي أن تحظى استراتيجيا الاحتواء المنسَّقة على دعم إقليمي وحسب، بل يجب أن يكون لها غطاء دولي أيضاً.
وإذا كان ما يجب أن تفعله واشنطن لاحتواء إيران مهماً، فالمهم بالدرجة نفسها هو ما يجب أن تمتنع عن فعله. إذا حصلت إيران على قنبلة نووية، قد تميل الولايات المتحدة إلى الرد عبر توسيع وجود القوات الأميركية في الشرق الأوسط إلى حد كبير. لكن هذا لن يزيد بصورة ملموسة قدرة واشنطن على منع إيران من شن هجوم نووي أو تقليدي؛ فهناك ما يكفي من القوات الأميركية في المنطقة لتحقيق ذلك. إنما من شأنه أن يصب في مصلحة وكلاء طهران عبر تأجيج مشاعر العداء للولايات المتحدة وإذكاء الاضطرابات المدنية في الخليج الفارسي. وقد تميل واشنطن أيضاً إلى السعي إلى تقويض الاقتصاد الإيراني أكثر فأكثر عبر فرض عقوبات اقتصادية واسعة النطاق، وهي فكرة تحظى بدعم كبير في الكونغرس.
من شأن هذه الإجراءات أن تؤدي في نهاية الأمر إلى معاقبة المواطنين المحرومين في إيران (لهذا عارضها قادة المعارضة الإيرانيون بشدة). مسار التحرك الأكثر حكمة هو تعزيز آليات ضبط التصدير المطبّقة حالياً ومراقبتها في شكل أفضل، من أجل التأكد من عدم وصول الصناعات النووية والدفاعية الإيرانية إلى التكنولوجيات ذات الاستخدام المزدوج، وترسيخ العقوبات الاستهدافية ضد القيادة الإيرانية وشركات الأعمال التي يسيطر عليها الحرس الثوري. يجب أن تضغط واشنطن، داخل الأمم المتحدة وخارجها، من أجل فرض حظر على سفر القادة الإيرانيين واتخاذ إجراءات لمنع إيران من دخول أسواق الرساميل، على سبيل المثال. ويجب أن تستنبط أيضاً وسائل لمعاقبة الأعمال الخارجية التي تستثمر في الصناعة النفطية الإيرانية ذات الوضع المزري. من شأن عقوبات ذكية من هذا النوع أن تعاقب القادة الإيرانيين من دون أن تطال الإيرانيين العاديين الذين لا يتحمّلون أي مسؤولية في تصرفات النظام. يجب أن تمتنع واشنطن عن إجراء توسيع كبير في نطاق الأسلحة التي تبيعها إلى دول الخليج الفارسي التي تعتبر الولايات المتحدة بمثابة ضامِنة عسكرية لها ومموّنتها الأساسية بالسلاح. سوف تكون زيادة مبيعات الأسلحة ضرورية إلى حد ما: فسوف تعتبر الحكومات العربية في المنطقة هذه المبيعات مؤشراً ملموساً عن قوة التزام واشنطن بمقتضياتها الدفاعية، وإذا أحجمت واشنطن عن بيعها السلاح، فسوف تبحث عنه في مكان آخر. من جهة أخرى، فإن فتح أبواب مستودعات الأسلحة على مصاريعها لن يساهم في توفير الأمن للشارين، لا بل قد يؤدي إلى تفاقم عدم الاستقرار في المنطقة. من شأن سياسة أميركية ذكية في مجال بيع الأسلحة أن تركّز على عرض منظومات أسلحة مصمّمة لردع هجوم إيراني أو المساعدة على التصدّي له، مثل منظومات الدفاع الصاروخي ومنظومات القيادة والسيطرة التي تقدّم إشعاراً مسبقاً عن التحركات الإيرانية.
أخيراً، يجب أن تقاوم واشنطن أي رغبة في توقيع معاهدات أمنية متبادلة مع بلدان عربية في الشرق الأوسط (إسرائيل التي تختلف علاقاتها مع إيران اختلافاً جوهرياً عن علاقات أي قوة أخرى في المنطقة بإيران، هي حالة خاصة). لن تساهم هذه المعاهدات في تعزيز الردع، بل على العكس يمكن أن تقوّضه إلى حد كبير. سوف يسأل أعضاء كثر في مجلس الشيوخ الأميركي الذي سيكون عليه التصويت على أي معاهدة تحالف، لماذا تعزّز الولايات المتحدة روابطها بأنظمة سلطوية يعتبرها أميركيون كثر مشينة؟ من شأن مشهد هذا النقاش أن يزيد من حدة الشكوك في الشرق الأوسط حول عمق الالتزام من جانب الولايات المتحدة. كما أن مساعي بناء تحالفات رسمية قد تدفع بإيران إلى الاعتقاد بأن أي بلد يبقى خارج هذه الاتفاقات يجوز ترهيبه أو مهاجمته. يجب أن تحاذر واشنطن من التسبّب باستعادة للحسابات التي قامت بها كوريا الشمالية عام 1950 واعتبرت بموجبها أن كوريا الجنوبية تقع خارج دائرة الدفاع الأميركي. بدلاً من ذلك، يتعيّن على الحكومة الأميركية أن تشجّع على تشكيل شبكة تحالف إقليمية من شأنها أن تنظّم الدول العربية في مجموعة دفاعية أكثر تماسكاً. يمكن تنظيم الشبكة وفقاً لمعايير حلف معاهدة الشرق الأوسط (الذي عُرِف لاحقاً بحلف المعاهدة المركزية)، وهو عبارة عن ترتيب أمني بين إيران وباكستان وتركيا والمملكة المتحدة، والعراق لبعض الوقت (مع مشاركة الولايات المتحدة في اللجان العسكرية والأمنية التابعة للحلف) كان قائماً بين 1955 و1979. من شأن تحالف من هذا النوع أن يضمن كل الفوائد التي تترتّب عن التزام الردع على صعيد المنطقة ككل من دون تعريض الولايات المتحدة وحلفائها لتعقيدات المعاهدات الأمنية الرسمية الثنائية أو المتعددة الطرف.
أزمنة خطرة
من شأن تسلّح إيران نووياً أن يجعل الشرق الأوسط مكاناً أكثر خطورة: فسوف يرفع حدة التشنّجات، ويخفّض هامش الخطأ المسموح به، ويزيد من احتمال حدوث كارثة كبيرة. يجب ألا يتخلّى المجتمع الدولي عن جهوده لوقف التقدّم الإيراني. لكن نظراً إلى لامبالاة الملالي الظاهرية بمنافع الالتزام، يجب أن يفكّر صانعو السياسات الأميركيون الآن في ما يجب فعله إذا حصلت إيران على القنبلة النووية. لن يكون الاحتواء سياسة كاملة ولا مضمونة. سوف تكون مهمة إحباط الدعم الإيراني لحركة "حماس" و"حزب الله" صعبة، تماماً مثل التصدّي للدعم الإيراني للمجموعات الإرهابية والتخريبية في المنطقة. على الأرجح أن الحاجة إلى اكتساب حظوة لدى الديكتاتوريات العربية سوف تغري واشنطن بوضع دعواتها لتحقيق إصلاحات سياسية داخلية في تلك البلدان على الرف – على الرغم من أنه من شأن هذه الإصلاحات أن تحد من قدرة إيران على التدخل هناك عبر تحسين حظوظ الأقليات الشيعية المحلية التي يمكن أن تكون عرضة للوقوع تحت تأثير طهران. قد يقتضي الحفاظ على دعم القوى العظمى لممارسة ضغوط على إيران، تجاهل السلوك الصيني والروسي المثير للاعتراض في مسائل أخرى.
لن يكون الاحتواء بديلاً من استخدام القوة. على العكس، سوف يكون نجاحه رهناً باستعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة ضد إيران أو التهديد باستخدامها إذا تجاوزت طهران الخطوط الحمراء التي وضعتها واشنطن. إن ممارسة ضغوط من دون التزام معاقبة المخالفات، تقود إلى الفشل – وإلى شرق أوسط أكثر عنفاً وخطورة. يمكن أن يساعد الاحتواء واشنطن على كسب الوقت لإقناع الطبقة الحاكمة الإيرانية بأن اللعبة التعديلية التي تلعبها لا تستحق كل هذا العناء. هكذا، حتى بينما تضغط واشنطن للتصدي لإيران، يجب أن تكون جاهزة لاحتمال أن تتغيّر حسابات طهران. ومن أجل دفع هذه للسير في الاتجاه الصائب، يجب أن تعطي واشنطن مؤشرات بأنها تسعى إلى خلق نظام سلمي ويتمتع باكتفاء ذاتي في الشرق الأوسط. سوف تبقى الولايات المتحدة جزءاً من الهندسة الأمنية للمنطقة في المستقبل المنظور، لكن يجب ألا تستمر في اتخاذ موقف عدائي من إيران. إذا تخلّت الجمهورية الإسلامية عن طموحاتها النووية، وقبلت المعايير الدولية السائدة، واحترمت سيادة جيرانها، فسوف تكتشف أن الولايات المتحدة مستعدة للعمل مع الطموحات الوطنية المشروعة لإيران لا ضدها.
"فورين أفيرز"
ترجمة نسرين ناضر
(جيمس إم ليندسي نائب رئيسفي مجلس العلاقات الخارجية،وراي تاكييه باحث إيراني- أميركي متخصص في شؤون الشرق الأوسط)
"النهار"




















