في الذكرى الثانية والستين لقيامها ما زالت إسرائيل تعيش مثلما كانت عند تأسيسها في ظل شبح التهديد الدائم بالحرب. فالجمود في العملية السياسية، وعدم احراز أي تقدم على مسار عودة المفاوضات مع الفلسطينيين، باتا يشكلان تهديداً فعلياً بنشوب انتفاضة فلسطينية ثالثة وفق ما قاله ملك الاردن عبد الله الثاني في مقابلة أُجريت معه في المدة الأخيرة، وقد يدفع بالدول العربية المعتدلة الى التخلي نهائياً عن مبادرة السلام العربية وضياع فرصة التوصل الى تسوية سلمية.
وعلى الرغم من الهدوء التام الذي يسود الحدود الشمالية مع لبنان؛ فإن تصاعد وتيرة الكلام الإسرائيلي عن قيام سوريا بتهريب صواريخ "سكود" الى"حزب الله"، أدى الى عودة المخاوف من احتمال قيام إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية محدودة ضد الصواريخ الجديدة، وساهمت التهديدات الإسرائيلية الموجهة الى سوريا في ازدياد القلق من قيام إسرائيل بعدوان جديد في الصيف المقبل. أما بالنسبة لخطر حصول إيران على السلاح النووي، والذي كان يحتل رأس جدول اعمال حكومة نتنياهو، فتجد إسرائيل نفسها أمام واقع معقد وشائك، فهي من جهة غير قادرة على توجيه ضربة عسكرية منفردة ضد المنشآت النووية في إيران؛ ولكنها من ناحية أخرى لم تعد قادرة على التعويل كثيراً على العقوبات الإقتصادية القاسية على إيران والتي ما زالت تواجه الكثير من العقبات، ولا على الدعم الأميركي في ظل بروز مؤشرات تدل على أن الأميركيين باتوا أكثر استعداداً للقبول بواقع إيران النووية.
إن السبب الأساسي للمأزق الذي تعانيه إسرائيل سواء في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية، أو مع الدول العربية المعتدلة، وسائر دول العالم هو الجمود في عملية السلام في الشرق الأوسط، والذي ستكون له انعكاساته الخطرة على استقرار المنطقة بأسرها. ومع مرور الوقت يتضح أكثر فأكثر أن الإئتلاف الذي أقامه نتنياهو منذ أكثر من عام عاجز تماماً عن الخروج من المأزق الذي دخلت فيه مساعي التسوية الأميركية لاستئناف المفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل. فلا نتنياهو قادر على تحقيق حل الدولتين، ولا احزاب اليمين مستعدة في الفترة الحالية للبحث في اي انسحابات جديدة من الضفة الغربية، ولا في طرح مستقبل القدس.
وحتى الآن لم تقدم حكومة نتنياهو ردها على المطالب الأميركية لإستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، ومعنى ذلك المزيد من الجمود، والمزيد من العقد، والمزيد من التوتر في العلاقات الأميركية – الإسرائيلية. ويبدو أن إدارة أوباما تدرس إمكان فرض تسوية سياسية على إسرائيل والفلسطينيين في حال ظلت حكومة نتنياهو على رفضها للمطالب الأميركية. وتجدر الإشارة هنا الى أن التدخل الأميركي في موضوع صواريخ "سكود" دفاعاً عن المصالح الأمنية الإسرائيلية، لا يلغي حجم التباين الإسرائيلي الأميركي من عودة المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، ومن حل الدولتين، ومن ضرورة تحقيق التسوية السلمية ليس مع الفلسطينيين وحدهم، وإنما مع لبنان وسوريا أيضاً.
قد تبدو إسرائيل في الثالثة والستين من عمرها أكثر نمواً اقتصادياً، وتطوراً تكنولوجياً، ورخاء اجتماعياً، ولكن طالما أنها تحتل أراض عربية، وترفض السلام مع جيرانها؛ فإنها لن تحظى يوماً بالإعتراف بها كدولة "طبيعية" داخل المنطقة. وهكذا ستبقى إسرائيل تعيش مثلما كانت وقت نشوئها في ظل التهديد الدائم بالحرب. وإذا ما استطاعت إسرائيل في حروبها السابقة حسم الموقف لمصلحتها عبر المواجهات الجبهوية التقليدية التي خاضتها ضد الجيوش العربية النظامية، فإنها غير واثقة من قدرتها على حسم الحرب المستقبلية على الرغم من التفوق التكنولوجي للجيش الإسرائيلي نظراً الى التغيرات الكثيرة التي طرأت على أسلوب المواجهات. فالحرب المقبلة ستكون حرب صواريخ تستهدف التجمعات السكانية الكبيرة ويدفع ثمنها المدنيون في الدرجة الأولى، مثل حرب المدن التي عرفها العالم في أواخر الثمانينات إبان الحرب الإيرانية – العراقية. وستواجه إسرائيل أساليب قتالية جديدة مختلفة عن الحروب السابقة، وحتى الجيش السوري أدخل تعديلات مهمة على عقيدته العسكرية مستفيداً من دروس حرب تموز، ومن أسلوب حرب العصابات الذي استخدمه مقاتلو "حزب الله" في مواجهاتهم مع الجنود الإسرائيليين.
"النهار"




















