المستقبل
في الفترة ما بين 19 و23 تشرين الثاني 2008، أتيحت لي الفرصة لإجراء حوار متنوع ومكثف مع مجموعة من الباحثين الألمان، جمعنا مؤتمر علمي حول مشكلات كتابة التاريخ في كل من أوروبا والعالم العربي. جرى الحوار متقطعا في مدينة برونشفيغ بشمال ألمانيا، وبمشاركة عدة باحثين تفاوتت نظرتهم إلى انعكاس الأوضاع الراهنة على الاقتصاد الألماني. فقد رأى بعضهم أن الأزمة عميقة الجذور وستكون لها مضاعفات سلبية كبيرة على الاقتصاد العالمي بسبب موقع ألمانيا في طليعة الدول الاقتصادية المتطورة والتي لديها شركات صناعية كبيرة ذات حضور قوي على المستوى الكوني. في حين رأى بعضهم الآخر أن الاقتصاد العالمي يمر بأزمة قابلة للحل والتجاوز بسبب غياب البديل على المستوى العالمي من جهة، وقدرة الاحتكارات الكبيرة على إلزام الطبقات المتوسطة والفقيرة بتحمل القسط الأكبر من الأزمة التي قد تغير في شكل النظام المالي والاقتصادي العالمي دون أن تغير في مضمونه، من جهة أخرى. ولعل أقصى ما يمكن تصوره في المدى القريب هو إعادة ترتيب الأوضاع المالية في الدول الاقتصادية الكبرى وفرض رقابة أكثر فاعلية على الشركات والبنوك لتلافى أزمة مماثلة في المستقبل.ولم يتورع بعض الباحثين اليساريين عن القول بأن الأزمة فيها كثير من التخطيط المنظم الذي يسمح للاحتكارات بتحقيق المزيد من الأرباح على حساب الرأسماليات "الرخوة"، وتحديدا العربية منها، والتي بدأت فعلا تدفع النسبة الأكبر من التغطية المطلوبة لمعالجة الأزمة المالية العالمية.
بدا واضحا من خلال النقاش أن الأزمة الراهنة ستكون لها نتائج سلبية أكثر مما هو معلن على ألمانيا وباقي الدول الأوروبية. وذلك لأسباب عدة أبرزها:
– أن ألمانيا تحتل موقعا فاعلا في النظام المالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية منذ عقود طويلة. مع التذكير بأن إعادة تنشيط الاقتصاد الألماني من خلال مشروع مارشال وغيره كان بمشاركة أميركية بالدرجة الأولى.وبالتالي، فإن الإدارة الألمانية، على غرار الإدارة اليابانية، شديدة الصلة بالإدارة الأميركية. وهي على استعداد كامل ودائم لضخ مئات مليارات الدولارات من أجل إعادة إنعاش الاقتصاد الأميركي، والحفاظ على النظام المالي الراهن الذي جعل من ألمانيا إحدى أهم الدول الصناعية الكبرى في العالم..
– أن ألمانيا دولة صناعية من الطراز الأول، وتنتج سلعا متطورة جدا وغالية الثمن.
لكن الأزمة العامة للرأسمالية التي ضربت ركائز الطبقة الوسطى في العالم كله وبعنف شديد، ستفضي حتما إلى ركود اقتصادي في عدد من قطاعات الإنتاج الألمانية.
– أن الأزمة بدأت تتفاعل من خلال تسريح آلاف العمال من الشركات الألمانية والمعولمة التي تحتضن نسبة كبيرة من الألمان الذين يحصلون على رواتب مرتفعة جدا، وهم مهددون اليوم بفقدان وظائفهم ومداخيلهم ومدخراتهم.
– أن تطوير قطاعات الإنتاج في ما كان يعرف سابقا بألمانيا الشرقية ما زال بحاجة إلى ضخ مئات مليارات الدولارات لكي تصبح على قدم المساواة مع ألمانيا الغربية.
ورغم كثافة التوظيفات فإن البطالة في ألمانيا الشرقية تبلغ عدة أضعاف نسبتها في ألمانيا الغربية. وستزداد نسبة البطالة في ألمانيا بشكل عام، بشطريها الشرقي والغربي، بعد أن حجبت إدارتها مئات مليارات الدولارات عن خطط التنمية وتم تحويلها لمنع انهيار النظام المالي العالمي الذي تسببت به إدارة الرئيس بوش.
– تحاول الإدارة الألمانية تلافي انفجار الأزمة المالية مجددا.وهي تعمل جاهدة، إلى جانب الفرنسيين ودول أوروبية أخرى، على إقناع الأميركيين بضرورة إدخال تغييرات جذرية في بنية النظام المالي العالمي وتنشيط دور الدولة في الرقابة على المصارف والشركات الكبرى.وليس ما يشير حتى الآن إلى أن الإدارة الأميركية باتت على قناعة بضرورة اتخاذ أي إجراء جدي لفرض الرقابة على الرساميل الكبيرة والحد من عملية الاستغلال والإفقار المنظم الذي تقوم به، داخل الولايات المتحدة وعلى امتداد دول العالم.
– بدأت قطاعات الإنتاج الألمانية تعاني ركودا واضحا في المرحلة الراهنة. فمظاهر الأزمة بارزة من خلال تراجع مؤشر الاستهلاك وخوف الألمان على مدخراتهم المالية الموظفة في البنوك.كما أن التوظيف في العقارات قد تراجع بشكل حاد مما يؤدي إلى مزيد من الأزمات الاقتصادية وتقلص فرص العمل، وازدياد نسبة البطالة، وتراجع خدمات الصحة والتعليم، وضمان الشيخوخة وغيرها.
ختاما، تتخوف الأوساط الحاكمة في ألمانيا والتي تضم ممثلين لكبار الشركات والبنوك والشريحة العليا في الطبقة الوسطى، من بروز تحالف سياسي بين أحزاب الوسط في ألمانيا الغربية والأحزاب اليسارية في ألمانيا الشرقية. وبدا بعض الباحثين الألمان على قناعة راسخة من أن تحالف اليسار، وهو يتوقع الإعلان عنه قريبا، سيحتل موقعا متقدما في الحياة السياسية الألمانية. فلديه حظ وافر للفوز بأغلبية ضئيلة في الانتخابات النيابية القادمة مستفيدا من سلبيات الأزمة الراهنة، ونقمة الألمان الشرقيين، وسياسة ألمانيا الغربية التي يصفونها بالتبعية للأميركيين.




















