سجال حاد اندلع داخل لجنة المال في الكنيست بشأن خطط الطوارئ الإقتصادية التي ابتدعها موظفو وزارة المالية. في حال أقرت في نهاية المطاف "خطة التحفيز" وخطة التدخل في سوق المال فسوف يكون ذلك تصفيق آخر "لليد الخفية" التي يمكن الشعور جيدا بضرباتها الأخيرة في إسرائيل والعالم.
حتى الساعة، الخطط الكاملة لن تُنشر ولا يزال جزء كبير من المعلومات بشأنها خفيا عن الأعين. لا يعد ذلك بالضبط شفافية ديموقراطية، إلا أن تأثير الأزمة واضح جدا، وكذلك تأثير السلوك النيوليبيرالي للحكومات الإسرائيلية في العقود الأخيرة.
من الأجزاء المعلنة في الخطتين يبدو أن وزارة المالية اختارت مواجهة الأزمة بطريقة "التفافية"، عبر مزيد من الإستثمارات في أصحاب رؤوس الأموال، وذلك انطلاقا من الوفاء للنظرية التي ترى أن توسيع النشاط في السوق والنجاح الإقتصادي للمتمولين سينعكسان إيجابا على المواطنين كافة.
من بين جملة أمور تتضمن خطة تحفيز الإقتصاد تنفيذا فوريا لخفض الضرائب الجاري، تقوم الحكومة بموجبه بالإستمرار في نزعة خفض الضرائب المباشرة. إن خفضا إضافيا في الضريبة المباشرة، التصاعدية، التي هي في إسرائيل أقل من بقية دول الـ "OECD" من شأنه أن يزيد الفجوة في الرواتب. على سبيل المثال، الزيادة على الراتب الصافي لمن يقبض 5000 شيكل ستكون في نهاية المطاف 84 شيكل، فيما الزيادة على رواتب من يقبضون 20000 شيكل ستكون تقريبا أكثر بستة عشر ضعفا، أي 1330 شيكل. ضريبة الشركات ستُخفض أيضا إلى مستوى 20% عام 2015.
أما خطة التدخل في سوق المال فتتحدث عن ضمانات تقدمها الدولة بقيمة ستة مليارات شيكل إلى المصارف من دون طلب الحصول على أسهم في المقابل. إضافة إلى ذلك، تزيد الخطة العجز في الموازنة بقيمة خمسة مليارات شيكل.
لا يتعلق الأمر هنا بخلق فرص عمل، أو تحسين شروط العمل للفقراء، أو توسيع شبكة الأمن الإجتماعي بشكل مباشر. مرة أخرى يتم التجند من أجل إنقاذ أصحاب رؤوس الأموال عن طريق صناديق الإستثمار التي ستقدم ضمانات لسندات الخزينة التي يمتلكونها، وكذلك عن طريق تخفيضٍ نسبته 80% في ضريبة البورصة وإعفاء المستثمرين الأجانب من رسوم بيع السندات المالية.
ها نحن إذا أمام مهمة قومية مشخصة جيدا: تمويل حكومي لخسائر أصحاب رؤوس الأموال. فقط من المواطنين "البسيطين" يُطلب تمويل خسائرهم المالية بأنفسهم.
كما ذكر، هدف خفض الضرائب والإستثمارات في سوق المال بحسب وزارة المالية هو "تشجيع النمو" و"زيادة الجاذبية للسوق الإسرائيلي". ولأجل هذه الأهداف المعلنة، تدعو وزارة المالية نواب الشعب إلى المصادقة على خططها بشكل فوري، ومن دون التوقف للحظة والتفكير في النهج الإقتصادي الإيديولوجي الذي أوصلنا إلى هنا.
يجدر أن نذكر صناع القرار أن النهج الذي قادوا عبره إلى "نمو الإقتصاد" في العقد الأخير- أي خفض الضرائب، تقليص النفقات الحكومية وخصخصة الخدمات الإجتماعية- لم يُحسّن الظروف المعيشية لمعظم مواطني الدولة، بل إنه أسهم في توسيع الفجوات الإقتصادية وتكريسها.
قد تكون جاذبية السوق الإسرائيلية زادت، لكن بأي ثمن؟ إهمال سوق العمال والخدمات الإجتماعية، إيجاد مئات آلاف العمال الفقراء، خدمات تعليمية وصحية رسمية متدنية وشبكة أمان لا تؤمن أي حماية ضد عثرات الزمن.
ويجدر أن نذكر نواب الشعب أيضا أن مسؤوليتهم توجب عليهم "عدم الفصل بين السياسة والإقتصاد"، كما قال وزير المالية، روني بار أون. الإقتصاد ليس علما دقيقا، وفي كل الأحوال فإن نواب الشعب يصممون استراتيجية اقتصادية وفقا لرؤاهم الإيديولوجية.
إن الإجراءات في الإقتصاد الإسرائيلي في العقدين الأخيرين تؤشر إلى ما كان يهمّ فعلا صانعي السياسيات. رفاهية مواطني إسرائيل (أو عدمها) تشهد إن كان صناع القرار عندنا يتحملون مسؤوليتهم الحقيقية حيال مصيرنا جميعا أم حيال طبقة الأغنياء الكبار.
يعلمنا حكماؤنا أن الإستثمار في منع الفقر أفضل من الإستثمار في التخلص منه. كما تعلمنا التوراة أن علينا إيجاد أنظمة مؤسساتية تصلح الإخفاقات والنتائج غير العادلة التي توجدها السوق الإقتصادية. هذه المبادئ يجب أن تكون سراجا لصناع القرارات في أيامنا، ويؤسفني أن الأمر ليس كذلك.
)"يديعوت أحرونوت" 6/12/2008)
ترجمة: عباس اسماعيل




















