رويدا رويدا تنقلب الموازين في السياسة الأميركية وشيئا فشيئا تتحرك لتقلب ظهر المجن على الدول العربية التي لم تصدق أنها قد ودعت حقبة جمهورية مريرة دامت ثماني سنوات ، أزهقت الأرواح وأبادت الخزائن وأطاحت بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم وجعلت بينهما ما صنع الحداد ، وكأن صانع القرار الأميركي خلص إلى حقيقة مفادها أن المنطقة لن يناسبها أسلوب ولن تصلحها سياسة سوى السياسة الجمهورية التي قادها سييء الذكر جورج بوش (الصغير) ، مدخلا المنطقة في آتون حروب لم تنطفئ نارها ولم يهدأ أوارها ، وبالتالي يمكن القول إن الإدارة الديمقراطية الحالية لم تجد سبيلا سوى الاقتداء بسابقتها الجمهورية والنكوص عما رفعته من شعارات بعد أن اقتنعت أن العالم تأكد من أن عجلات سياستها خاصة فيما يتعلق بالصراع العربي ـ الإسرائيلي قد غرزت بالفعل نتيجة الأوحال والمتاريس التي وضعها اللوبي الصهيوني وجماعات الضغط في الولايات المتحدة.
ولذلك أصبح طبيعيا جدا أن تحاول التغطية على هذا الفشل المريع والعجز الفاضح ، وأن تحاول أن تلتف على الإحراج الكبير الذي وقعت فيه مجبرة أو مختارة بتبني مزاعم وأكاذيب إسرائيلية وتسويقها على أنها عقبة في طريقها لصنع السلام.
والتحذير الذي وجهته وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون إلى سوريا من حرب إقليمية على خلفية كذبة "صواريخ سكود السورية ـ الإيرانية" والتي ساقها صناع الكذب والقتل والخراب والتدمير، هو من الخطورة بمكان لأنه بكل بساطة يعني لدى القتلة الإسرائيليين ضوءا أخضر لشن عدوان واسع على سوريا أو لبنان أو الاثنين معا، على طريقة (امنحني وشجعني على شن العدوان ، أرفع عنك حرج الفشل في صنع السلام).
وهو تحذير قائم على كذب وتدليس كما قلنا وليس هناك ما يدعمه من قبل استخبارات غربية أو أجنبية ، كما أن طبيعة صواريخ سكود التي يقارب طولها العشرين مترا من الصعب نقلها ونقل منصات إطلاقها ، ولو حاولت دمشق فعلا لما تمكنت لخضوع كل من سوريا ولبنان لمظلة الأقمار التجسسية الإسرائيلية والأميركية فضلا عن العملاء الموجودين على الأرض ، وبالتالي هذا الاندفاع الأميركي غير المحسوب ـ وإن كان عن عدم اقتناع ، بل هو من باب النفاق ـ يعكس أيضا أن سياسة الكيل بمكيالين لا استغناء عنها ولا حيد عنها.
حيث اعتبرت وزيرة الخارجية الأميركية أن نقل الصواريخ هو زعزعة لاستقرار المنطقة، بينما امتلاك الكيان الإسرائيلي أسلحة الدمار الشامل وكافة الأسلحة الجرثومية ومختلف الصواريخ طويلة ومتوسطة وقصيرة المدى والتي تهدد أمن المنطقة واستقرارها ورخاء شعوبها، وكذلك إمداده بآخر ما وصلت إليه تكنولوجيا السلاح في الغرب من قاذفات وقنابل ذكية وغبية ، كل هذا تناسته هيلاري كلينتون التي تذكرنا بمقاربة ومقارنة الآنسة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية في الإدارة الجمهورية السابقة ، عندما حاول الصحفيون في مؤتمرها الصحفي أن يخاطبوا ضميرها المتبلد أثناء عدوان صيف 2006 على لبنان ، بأن أرواحا بريئة أطفال ونساء لا ذنب لهم، ردت عليهم بأن هذا الدم هو دم ولادة شرق الأوسط الكبير.
إن ما يجب أن تعيه الإدارة الأميركية إن كان يهمها فعلا أمن كيان حليفها المدلل ، أن المؤامرات الإسرائيلية لن تصنع سلاما وتزويده بأعتى الأسلحة وتكديسه لها لإيذاء شعوب المنطقة لن يجنبه أذى أسلحته ، والرسالة التي أراد الرئيس اللبناني ميشال سليمان والقادة السوريون ايصالها للعالم الممالئ للكيان الإسرائيلي أمس أن العدوان على لبنان أو سوريا أو الاثنين معا ثمنه كبير وباهظ ، وضرره على الإسرائيليين أكبر من نفعه .. ونضيف نحن ونكرر القول إن أمن واستقرار شعوب وبلدان المنطقة ، بما فيهم الاسرائيليون ، لن يتحقق الا في ظل سلام يقوم على حل عادل يعيد الحقوق لأصحابها .. ليتهم يفهمون.
الوطن




















