تكتسب الصورة التي نشرتها وسائل الاعلام لقمة جمعت رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان والرئيس السوري بشار الاسد وامير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في اسطنبول في عطلة الاسبوع، أبعادها العملية بالنسبة الى تطورات سياسية في جملة مواضيع تتعلق بالمنطقة. والصورة لا تعني تموضع سوريا في محور جديد باعتبار ان العلاقات التي تقيمها دمشق مع كل من تركيا وقطر جيدة، وتالياً ليست جديدة، بل انها قديمة بعض الشيء في رأي مصادر متابعة وهي تفتقد الى الجانب الفرنسي باعتبار ان هذه الدول الثلاث قطر وتركيا وفرنسا كانت في شكل مباشر عرابة اخراج سوريا من عزلتها الدولية، وإن على نحو مختلف من جانب كل منها. بل هي تكتسب هذا البعد من حيث المضمون والتوقيت والرسائل التي توجهها من خلال لهجة سياسية معتدلة عشية تطورين متزامنين: احدهما هو الاعلان عن اطلاق المفاوضات غير المباشرة بين الفلسطينيين واسرائيل برعاية اميركية، والآخر هو وصول الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف الى سوريا حاملا رسالة من اسرائيل على نحو غير معهود في الاعلان عن تولي رئيس دولة كروسيا عن مهمة من هذا النوع. فهذه الاحاطة من جانب تركيا وقطر القريبتين بدورهما من الولايات المتحدة، تشكل بديلا موضوعيا في رأي مصادر معنية، في مقابل انفتاح لا يزال غير متاح مع واشنطن بالنظر الى علاقات لا تزال مرفوضة، بما في ذلك رفض الكونغرس الاميركي الموافقة على تعيين سفير جديد في دمشق، فضلا عن تمديد العقوبات على سوريا، رغم ان هذه الاخيرة تعتقد ان ذلك ليس عادلا في مقابل ما قدمته. في حين ان القمة تبرر تحولا سوريا تغطيه قطر، سبق ان اعلنته دمشق قبل مدة في مواقف اساسية. والصورة تجميلية الى حد بعيد في ظل استمرار سوريا محاولة تحسين صورتها الدولية، تساعدها في ذلك تركيا وقطر وفرنسا.
وفي مضمون الصورة الثلاثية في اسطنبول والتي يمكن ان توظف في اطار اكتساب سوريا بعدا لدور اقليمي تجهد للعودة اليه على صعد عدة ولا يزال منقوصا، الكثير من الدلالات في ضوء ما اعلن :
– هذه الصورة تشكّل نوعاً من الضمان والحماية المعنوية لسوريا ونظامها في وجه التهديدات الاسرائيلية في الدرجة الاولى التي صدرت اخيرا عن مسؤولين اسرائيليين، وعدم المس بهما من بين الضمانات التي تحتاج اليها سوريا في اي وقت.
– أهمّ الرسائل الصادرة عن القمة التشديد على دعم كل الجهود لتحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة وادانة كل المواقف التي تؤدي الى زيادة التوتر، مما يعني دعماً في الاساس لمهمة الموفد الاميركي جورج ميتشل الذي يعود الى المنطقة قريبا لرعاية المفاوضات غير المباشرة بين الفلسطينيين والاسرائيليين. اذ ان سوريا سبق ان عبرت في اجتماع اللجنة الوزارية لدعم المبادرة العربية التي اجتمعت في القاهرة اخيرا ان رفضت للمرة الثانية المفاوضات غير المباشرة بين الفلسطينيين واسرائيل، في حين تحتاج الولايات المتحدة الى ان تضمن سوريا عدم تحريك التنظيمات الفلسطينية التي تؤثر عليها، كحركة "حماس" وسواها من التنظيمات ضد هذه المفاوضات.
والموقف الثلاثي في اسطنبول يذهب في اتجاه مغاير ضمني للموقف السوري الرافض، ما دامت هذه القمة تدعم كل الجهود لتحقيق الاستقرار والسلام. اضف الى ذلك ان الموقف السوري قبل اقل من شهرين كان يتحدث عن خيار وحيد يتمثل في المقاومة وضرورة تبنيها خيارا وحيدا من جانب الدول العربية. وقد برز ذلك على نحو واضح في القمة السورية الايرانية الاخيرة في دمشق والتي شكل فيها حضور الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله جزءا كبيرا من الصورة التي تتبنى دور المقاومة حلاً وحيداً في المنطقة. وكان لرئيس الوزراء القطري موقف في بيروت في زيارته الاخيرة اعلن فيه من منزل الرئيس نبيه بري في عين التينة ان الوحدة الوطنية أهمّ من أي سلاح في مواجهة اسرائيل.
– ان البيان الثلاثي استند الى خطاب معتدل تصالحي إذا صح التعبير. اذ اكدت سوريا عشية نقل ميدفيديف رسالة اسرائيلية اليها رغبتها في استمرار الوساطة التركية في المفاوضات، بما يعني أن التشجيع على السلام الحقيقي واستهلاله على المسار الفلسطيني – الاسرائيلي لا يغني عن الموقف المطالب باهمية التفاوض مع سوريا علما انه سبق للرئيس السوري بشار الاسد ان اعلن اكثر من مرة ان اسرائيل الحالية ليست جاهزة للسلام وغير مستعدة له، وهو امر واقعي يلتقي فيه مع الفرنسيين والاتراك الذين يعتبرون ان اسرائيل غير قادرة على الحرب او على اتخاذ قرار الذهاب اليها، ولكنها قادرة على تعطيل السلام بكل مكوناتها السياسية المؤثرة، وهي ليست جاهزة للسلام في ظل حكومة بنيامين نتنياهو. ويسود اعتقاد، لا بل اقتناع واسع، ان أي حل على رغم الجهود الاميركية الراهنة قد يكون في اجراء انتخابات مبكرة في اسرائيل تأتي بغير الحكومة الحالية.
rosana.boumounsef@annahar.com.lb
"النهار"




















