(بروفيسور في العلوم السياسية والإعلام، باحث كبير في مركز بيغن ـ السادات للأبحاث الاستراتيجية بجامعة بار إيلان).
انطلاقاً من اعتباره مصطلحي "التغيير" و"نحن قادرون" من شعاراته السياسية البارزة، يحاول الرئيس الأميركي باراك أوباما القيام بعملية تغيير كلية لسياسة الولايات المتحدة النووية أيضاً، وقواعد اللعبة في مجال السلاح النووي. ويمكن أن تكون لهذه المحاولات تداعيات بعيدة المدى حتى على سياسة إسرائيل التقليدية في المجال النووي، ومكانها في العلاقات بين الدول.
للمرة الأولى في التاريخ، كشفت وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، عن عدد الرؤوس النووية العملانية الموجودة في حوزة الولايات المتحدة، وعددها 5113 رأساً نووياً. وهي اول من فعل ذلك من بين الدول النووية الأُخرى التي تحاول الحفاظ على سرية كبيرة إزاء المعطيات المتعلقة بالسلاح الذي في حوزتها. ومن جهة ثانية، توظف الأجهزة الاستخبارية موارد ومساعي لاكتشاف من لديه أسلحة نووية، عددها ونوعها. لماذا إذاً اختارت إدارة أوباما الكشف عن عدد الرؤوس النووية لديها، ولماذا الآن؟
تنضم هذه الخطوة إلى خطوات سابقة قام بها أوباما بهدف تقليص مخاطر انتشار السلاح النووي في العالم، من بينها إجراء مفاوضات طويلة وتوقيع اتفاق مع روسيا حول تفكيك السلاح النووي: اتفاق تاريخي أعاد للمرة الأولى منذ عقدين القوتين العظميين إلى مسار تقليص مخزون السلاح. وسيكون عليهما أن يقفا على عتبة 1550 رأسا نوويا فقط لكل منهما في غضون سبع سنين، بحيث ستضطر الولايات المتحدة إلى تقليص اسلحتها بشكل ملموس.
لقد اتخذت الإدارة الميركية خطوة استثنائية بغية إرسال رسالة صارمة: الولايات المتحدة تريد أن تقود صراعا لمنع انتشار السلاح وحتى الوصول إلى مرحلة تفكيكه مع تقديم نموذجا شخصيا أو قوميا. وثمة رسالة موجهة إلى إيران ومؤيديها تفيد أنه يتعين عليها وقف سعيها للحصول على سلاح نووي.
والآن تتوقع الولايات المتحدة من روسيا ومن الدول النووية الأُخرى السير على دربها، وكشف معطيات عن مخزونها، ووضع منشآتها تحت الرقابة الوثيقة جدا والموافقة لاحقا على تفكيك متبادل للسلاح النووي.
التداعيات على إسرائيل
لقد عارض العالم والولايات المتحدة دوما انتشار السلاح النووي في العالم انطلاقا من خشية أن يؤدي ذلك إلى تزايد مخاطر استخدامه مع تزايد عدد الدول التي تحوز عليه. لكن تم العامل مع إسرائيل بشكل استثنائي حيث جرى التعاطي مع سياستها النووية بصورة خارجة عن المألوف. فالولايات المتحدة فضلت تجاهل القدرة النووية الإسرائيلية لأن تطويرها كان مبررا في ضوء "المحرقة"، والقوى العسكرية العربية وتهديداتها المتكررة بتدميرها.
عندما دمرت إسرائيل في العام 1981 المفاعل النووي العراقي وألمحت بذلك إلى أنها لن تسمح لدول متطرفة، معادية ومصدر تهديد لها بامتلاك سلاح نووي، أطلقت إدارة ريغن بعض التصريحات الانتقادية وحتى أنها جمدت لفترة زمنية معنية إرسال طائرات مقاتلة إلى إسرائيل، لكنها كانت راضية عن النتيجة. وخلال حرب الخليج الأولى، أثنى وزير الدفاع الأميركي ديك تشيني على هذا الهجوم الإسرائيلي ضد المفاعل النووي العراقي واضاف أنه لو لم يحصل هذا الهجوم لما كان ممكنا تحرير الكويت من العدوان والاحتلال العراقي.
الاستراتيجية النووية الجديدة لأوباما من شأنها أن تغير النهج التقليدي الاميركي تجاه الموضوع النووي الإسرائيلي. فقد سبق لكلينتون أن أعربت عن تأييدها لفكرة الشرق الأوسط النظيف من السلاح النووي، وللمبادرة المصرية لتطبيقها. ومنذ سنوات تحاول مصر أن تطرح على جدول الأعمال العالمي القدرة النووية الإسرائيلية انطلاقا من فرض ميل يقضي بالكشف عن مخزونها النووي، الإشراف عليه، تقييده وتفكيكه. وعلى الرغم من ان الولايات المتحدة صدت هذه الجهود إلا أنه يبدو الآن بأنها مستعدة للموافقة على الموقف المصري وربما العمل على تطبيقه.
سذاجة اميركية
لكن الاستراتيجية النووية لأوباما خطيرة وإشكالية، وهي تحوي قدرا معينا من السذاجة والعقلانية التي ليس لها اي اساس. فدول مثل إيران لا تتأثر ابدا بالنية الحسنة للولايات المتحدة ولا ببادراتها الطيبة.
الموقف الأميركي يتجاهل كليا ضعف معاهدة منع انتشار السلاح النووي والمؤسسات المسؤولة عن تطبيقها. فتحت رعاية هذه المعاهدة، طورت دول مثل العراق وليبيا بنية تحتية لانتاج سلاح نووي. وها هي إيران تفعل ذلك خلال السنوات الأخيرة. صحيح أن الولايات المتحدة تقترح الآن السماح بزيارت مفاجئة للمراقبين ومعاقبة الدول المارقة، أو تلك التي تريد الخروج من المعاهدة، لكن من الواضح أنه لن تتم المصادقة على هذه الاقتراحات. ذلك أن المعاهدات تُنجز بالاجماع، ويكفي معارضة بعض الدول مثل الصين وإيران، لإفشال التغييرات المطلوبة.
الاستراتيجية الأميركية الجديدة تطمس التمييز بين أصل الامتلاك السلاح النووي وبين طبيعة النظام الذي يملكه. المشكلة لا تكمن في السلاح الذي لدى الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، الهند أو إسرائيل. المشكلة الرئيسية هي مع الأنظمة الأوتوريتارية، المتطرفة، العنيفة والخطيرة مثل إيران، التي تهدد بتدمير إسرائيل وتحويل كل الانظمة في الشرق الأوسط إلى أنظمة اسلامية متطرفة.
البحث في شرق أوسط حر من السلاح النووي يعني الانشغال الحصري بالمشروع النووي الإسرائيلي. فإيران لن تكف عن سعيها لامتلاك السلاح، والانشغال بإسرائيل سيخدم أهدافها فقط من خلال حرف الانتباه، بقدر معين، عن ما تقوم به إيران. علاوة على ذلك، التركيز على السلاح النووي يتجاهل الأنواع الأُخرى من أسلحة الدمار الشامل مثل السلاح الكيميائي والبيولوجي، والموجود لدى قسم من أعداء إسرائيل.
إن حلم التوصل إلى شرق اوسط نظيف من السلاح النووي مهم ويستحق التطبيق، لكن تطبيقه لن يكون ممكنا إلا بعد ان تتوصل كل الدول المجاورة لإسرائيل، القريبة منها والبعيدة، إلى اتفاقات سلام مستقرة معها، وبعد أن تقلص جيوشها وتدمر مخزونها من أسلحة الدمار الشامل.
في هذه المرحلة، لن يكون ممكنا الفصل بين قضية السلاح النووي وبين قضايا كبيرة أُخرى تتعلق بالسلام والحرب في الشرق الأوسط. إذا وقعت إدارة أوباما في المصيدة المصرية، وإذا ما أُزيحت الأضواء الكاشفة باتجاه المشروع النووي الإسرائيلي، فستُضاف بؤرة توتر إلى العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وستضطر الحكومة إلى التفكير جيدا بخطواتها في المجال الأكثر حساسية اليوم على صعيد العلاقات الدولية.
("يديعوت أحرونوت" 10/5/2010)
ترجمة: عباس اسماعيل
"المستقبل"




















