لم يكن ليخطر على بال أحد أن جريمة اغتيال جبران توينى النكراء يوم 12 كانون الأول 2005 ستحول بيروت محجا وقبلة للصحافيين العرب الأكثر جرأة في طرح قضايا الاستبداد والفساد وأن ذكرى استشهاد تويني ستتحول الى مناسبة لبحث سبل فك الحصار عن الصحافة المستقلة وحمايتها من المعتدين وتكريم واحد من أبنائها أو بناتها الملتزمين بالمعايير المهنية والأخلاقية للعمل الصحافي.
لو فكر مليا صاحب قرار تلك الجريمة النكراء – الذي قد تثبت التحقيقات الجارية منذ ثلاث سنوات ببطء وسرية قاسيتين تحت مظلة الأمم المتحدة مسؤوليته أيضا عن اغتيال سمير قصير ومحاولة قتل مي شدياق بالأسلوب نفسه قبل اشهر قليلة – لو فكر في عواقب هذه الجريمة لما أمر بتنفيذها لأن ثمن استشهاد صحافي له ما لجبران تويني أو سمير قصير من مكانة ومن أحبة وأصدقاء وزملاء أوفياء في مختلف بقاع العالم لا يمكن أن يكون الا باهظا جدا.
لكن يبدو أن الحقد، الذي كثيرا ما يختم على قلوب الظالمين، أعمى بصيرة هذا العدو اللدود لحرية التعبير وصرف تفكيره عما يمكن أن تقوم به مؤسسستان في حجم "النهار" و"الإتحاد العالمي للصحف" من تحركات للحيلولة دون افلاته وزبانيته من العقاب ومن خطوات لدعم المؤسسات الصحافية المستقلة والصحافيين العابرين لـ"الخطوط الحمراء" المحيطة بأوكار الاستبداد والفساد العربية.
فما أنجزته هاتان المؤسستان من أجل نشر الوعي بخطورة استمرار الرقابة على حاضر العرب ومستقبلهم وتشجيع للعمل الصحافي المستقل في كل أرجاء المنطقة العربية، وبالوتيرة والكثافة العاليتين خلال السنوات الثلاث الماضية جاء كرد فعل شجاع ومنظم على جريمة اغتيال رئيس مجلس إدارة "النهار" وعضو مجلس إدارة الإتحاد العالمي. لأن المسؤوليات الصحافية والادارية والسياسية الجسيمة التي كانت منوطة بكاهل جبران تويني لم تكن تسمح له بانجاز ما يتحقق منذ استشهاده من مؤازرة للصحافة المستقلة ومن محاصرة تشتد يوما بعد يوم على أعداء حرية الصحافة، ليس في لبنان فحسب، بل في كل الدول العربية حيث تتعرض حرية الصحافة واستقلال الصحافيين لضربات متلاحقة.
وكذلك الشأن بالنسبة لرفيق دربه في "النهار" سمير قصير الذي لم تكن مسؤولياته الصحافية والأكاديمية والسياسية تسمح له أيضا بالتفرغ للقيام بما تقوم به منذ أكثر من عامين مؤسسة تحمل اسمه، تشجع وتكرم الصحافيين والكتاب والشعراء العرب العاشقين للإبداع والحرية والاستقلال والمعنيين بالدفاع عنها.
وقد عقد مجموعة من أصدقاء وزملاء سمير قصير وممثلون عن منظمات حقوقية عربية ودولية و في جو من التفاؤل ساعد على التخفيف من آلام الضربات الدامية التي تلقتها بيروت وحرية الصحافة، عقدوا في شهر أيار الماضي اجتماعا تم فيه الاعلان عن تأسيس مركز "سكايز" للدفاع عن الحريات الاعلامية والثقافية في الشرق الأوسط.
ويذكرنا هذا المركز الراصد بما يتعرض له كتاب وصحافيون وشعراء من اعتداءات بالضرب أوالاعتقال والحرمان من الحق في حرية التعبير في لبنان وسوريا وفلسطين والأردن وهو الداعي لحمايتهم وفك أسرهم بمراكز مماثلة تكاثرت في دول مثل البرتغال واسبانيا والبرزايل والتشيلي وجنوب افريقيا وأوروبا الشرقية قبل سقوط أنظمتها الاستبدادية نهاية القرن العشرين.
ويتزايد من سنة الى أخرى وبشكل ملحوظ وفي كل الدول العربية عدد المراكز و المنظمات و المدونات العربية الملتزمة بالدفاع عن حرية التعبير. ويشير العديد من الدلائل الى أن اغتيال قصير وتويني في بيروت وضيف الغزال في العام نفس على أيدي بعض رجال المخابرات الليبية حسب تقارير حقوقية دفع العديد من الصحافيين اللبنانيين والليبيين الى توخي الحذر والرقابة الذاتية، لكنه لم يحل دون ارتفاع عدد الصحافيين والمدونين العرب المحذرين من مخاطر الاستبداد السياسي والمستعدين لمقاومته مهما كان الثمن.
وليس من الغريب أن الداعمين الأساسين لهؤلاء الصحافيين والمدونين والمدافعين عن حرية التعبير وكذلك للمنتدى العربي الثالث لحرية الصحافة الذي تفتح دورته الثالثة في بيروت تخليدا لذكرى استشهاد جبران تويني هم من خارج المنطقة العربية. فالمنظم الرئيسي لهذا المنتدى والمانح للجائزة السنوية التي تحمل اسمه وتكرم أحد رؤساء التحرير أو الناشرين العرب المتميزين هو الاتحاد العالمي للصحف، وليست أية جهة عربية أو دولة من أعضاء جامعة الدول العربية التي أصبحت منذ اقرارها في شباط الماضي الوثيقة المقيدة للبث الاذاعي و التلفزي الفضائي وكأنها جبهة للصمود والتصدي لحرية التعبير ولحق العرب في حياة أفضل.
وكم كان القرار باسناد جائزة جبران التويني لابرهيم عيسى رئيس تحرير صحيفة "الدستور" المصرية موفقا هذا العام لأن عيسى يعد بين أكثر الصحافيين العرب جرأة واستخفافا برموز الاستبداد والتزاما بالمعايير المهنية والإدارية للعمل الصحافي، وضمن أكثر الصحافيين المصريين والعرب تعرضا للملاحقات القضائية. ان تكريم صحافيين مقتدرين و شجعان من حجم ابرهيم عيسى يعتبر خطوة مهمة على طريق حماية حرية الصحافة والصحافيين. لكن الخطوة الأهم الى جانب مزيد التضامن بين الصحافيين العرب تبقى في المرحلة الحالية استمرار المطالبة بدون كلل باحالة من قتل سمير قصير وجبران تويني وحاول اغتيال مي شدياق الى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والتي يبدو حسب البعض ان محققيها أحرزوا بعض التقدم في اتجاه كشف النقاب عن قتلة رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري وعدد من الشخصيات السياسية والاعلامية اللبنانية.
(صحافي وناشط حقوقي تونسي مقيم فيالولايات المتحدة الأميركية ويزور بيروت حالياً)




















