تسريح العمال استناداً للمادة /137/ من قانون العاملين لدى الدولة، وحرمانهم من حق الاعتراض لدى القضاء دفاعاً عن أنفسهم مخالف للدستور السوري يعتبر تسريحاً تعسفياً وظلماً للعمال.
- الدستور ينص صراحة في المادة /28/ على أن المتهم بريء حتى يدان بحكم قضائي مبرم
- حق التقاضي وسلوك سبيل الطعن والدفاع عن أنفسهم أمام القضاء مصون بالقانون
- ينبغي العمل على إلغاء المادة /137/ والاستعاضة عنها بصيغة قانونية دستورياً
عمر قشاش
الفساد آفة اجتماعية واقتصادية وآثاره الضارة كبيرة في المجتمع تلحق الضرر بالاقتصاد الوطنين وهو لا يزال منتشراً في مؤسسات الدولة من الأعلى للأدنى وبأشكال وصيغ متعددة. رغم مطالبة الحكومة وكافة المسؤولين في قيادة الدولة بضرورة الكشف عنه ومحاربته ومحاسبة المسؤولين عنه، يعتبر واجب وطني بامتياز.
نود الإشارة هنا إلى بعض الحوادث والوقائع والتذكير بها ونتائجها وطرق معالجتها من قبل الحكومة وآثارها على العمال والمواطنين، نذكر بعضها فيما يلي:
نشرت جريدة الثورة بتاريخ 3/4/2008 الخبر التالي: "أصدر رئيس مجلس الوزراء قراراً بصرف /99/ عاملاً من الخدمة من العاملين لدى الدولة بسبب التقصير والنزاهة، وذلك وفقاً لأحكام المادة /137/ من قانون العاملين الأساسي رقم /50/ لعام 2004"
كما أصدر رئيس مجلس الوزراء قراراً بتاريخ 26 أيلول 2008 بصرف /13/ عاملاً من العاملين لدى الدولة من الخدمة بناء على اقتراح اللجنة المشكلة حسب أحكام المادة /137/ من قانون العاملين الأساسي للعاملين في الدولة موزعين على النحو التالي:
1- ثلاثة عمال من مديرية الخدمات الفنية بإدلب
2- ثمانية عمال في بلديات تابعة لمحافظة إدلب
3- عامل واحد من مديرية التجارة الداخلية بإدلب
4- عامل واحد في الشركة العامة للطرق والجسور بحلب
هذا وقد كان السيد رئيس مجلس الوزراء أيضاً استناداً إلى المادة /137/ من قانون العاملين الأساسي للعاملين في الدولة أصدر قراراً في 14/6/2006 صرف بموجبه من الخدمة سبعة عشر موظفاً نتيجة لتوقيعهم على بيان يطالب بالإفراج عن المعتقلين بتهمة توقيعهم على إعلان دمشق، وهؤلاء المسرحين من العمل هم: (من وزارة التربية كل من: سهيل أبو فخر، عصام خداج، فؤاد البني، هيثم صعب، نبيل الأصعب، مروان حمزة، كمال الدبس ـ من وزارة التعليم العالي: منير شحود ـ من وزارة الصحة: نيقولا غنوم ـ من وزارة النفط: سليمان الشمر ـ من وزارة المالية: كمال البلعوص ـ من وزارة الزراعة: عصام أبو سعد ـ من وزارة الإدارة المحلية: فضل الله حجاز، لينا وفائي ـ من وزارة الإعلام: سلمى كركوتلي، ناظر نصر)
لم تشر قرارات صرف العمال من الخدمة إلى الأسباب والمبررات التي أدت إلى صرف هؤلاء العمال والموظفين…
إن قرار رئيس مجلس الوزراء المستند إلى المادة /137/ يحرم العمال من حق اللجوء إلى القضاء للاعتراض على القرار، وهذا يعني أن هذه المادة مخالفة أصلاً للدستور السوري الذي هو مصدر ومرجع لشرعية القوانين…
وهذا يعني أيضاً أن تسريح العمال يعتبر تعسفياً مخالفاً للدستور السوري الذي نص صراحة على ما يلي:
المادة /28/:
1- كل متهم بريء حتى يدان بحكم قضائي مبرم…
2- حق التقاضي وسلوك سبيل الطعن والدفاع أمام القضاء مصون…
إن جوهر هذه المادة كانت موجودة في قانون الموظفين السابق، وكانت تستخدم ضد العمال والموظفين الذين يقاومون سياسة القمع والاستبداد في سبيل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان…
وفيما بعد نقل مضمون هذه المادة إلى قانون العاملين الأساسي رقم /50/ أثناء مناقشته في الوسط العمالي، وفيما بعد خلال مناقشة مشروع قانون العاملين رقم /50/ لعام 2004، بموجب نص المادة /137/ وقد اعترض عليها العمال والنقابيون في مجلس الشعب، وطالبوا بإلغائها والاستعاضة عنها بصيغة تعطي العامل حق الاعتراض على قرار التسريح للقضاء انسجاماً مع الدستور السوري… ولكن الحكومة سعت بوسائلها وضغطت من خلال مجلس الشعب لكي تبقي هذه المادة في صلب القانون، رغم مخالفتها للدستور السوري…
برأيي إن واجب العمال الوطني والمهني العمل بإخلاص وتفاني واستقامة، وإذا ارتكب أي عامل خطأ أو تصرفاً يتعارض مع قيم العمل يجب أن يحاسب عليه ولكن يجب أن لا يخضع لأمزجة الإدارة أو اللجنة المشكلة لهذه المهمة وإصدار قراراً مبرماً، بل يجب أن يعطى العمل المتهم حق الاعتراض للقضاء الذي هو المرجع الدستوري في كل القضايا الاقتصادية والدستورية …
فالحكومة تستخدم هذه المادة ليس في إطار ارتكاب أخطاء في العمل الوظيفي بل في المجال السياسي أيضاً، وقد جرى تسريح عدد من العمال والموظفين بسبب موقفهم السياسي المستقل ومطالبتهم بإطلاق الحريات الديمقراطية والسياسية للشعب وانتقاد سياسة القمع والاستبداد وقد حرموا هم وعائلاتهم من حق العمل والعيش ولفترة طويلة…
نأتي بمثال آخر تظهر يومياً في الصحافة السورية وقائع وفضائح عن فساد وسرقة واحتيال كبير بمئات الملايين من الليرات من مؤسسات القطاع العام وقسم من هذه الوقائع (الجرائم) يجري تسويتها، ولم يحاسب أو يعتقل مرتكبيها…
نشرت صحيفة "نضال الفلاحين الأسبوعية الناطقة باسم اتحاد الفلاحين في عددها الصادر بتاريخ 17/9/2008 مقالاً حول المصارف الزراعية والأسمدة وجاء في المقال الذي حمل عنوان: "أين اختفت /4286/ مليار ليرة سورية من مصارف الحسكة" دعت وزارة المالية إلى تحرير الأسمدة، وفيما يبدو فإن وزارة المالية لا تعلم معنى تحرير الأسمدة على الإنتاج الزراعي، وإن كانت تدري فالمصيبة أعظم، وإلاّ لما دعت إلى ذلك، وحجتها عجزها كما تدعي في تأمين السيولة اللازمة لشراء الأسمدة، والبالغة خمسة مليارات ليرة سورية، وكانت المصارف الزراعية قد شكت هي الأخرى مراراً وتكراراً من نقص السيولة لديها وعجزها عن تمويل بعض النشاطات الزراعية…
فهل نسيت إدارة المصارف الزراعية أم تناست الأموال العصبية على التحصيل لدى فروع بعض المصارف، أم أنه عرقلة التنمية الزراعية باتت هواية لدى البعض، ناسين أن تحقيق التنمية الزراعية هو دعم للمواطن واقتصاده، ويصب في مصلحة الشريحة الأوسع من سكانه. بعكس ما تفعله من محاولة استرضاء شرائح غير منتجة
فهل تعلم وزارة المالية أن ثمة /4286/ مليون ليرة سورية شبه مفقودة في مصارف الحسكة أو في ديون ليست على الفلاحين، بل هي دعم إلى أناس من مختلف شرائح المجتمع وعلى الموظفين في هذه المصارف، هذه الديون تطرح جملة من التساؤلات:
أ. لماذا لم تعمد إدارة المصارف ووزارة المالية لتطبيق القانون والحجز على المدنيين…
ب. كيف تم منح هذه القروض لغير الفلاحين وأين المستندات والضمانات التي يطلبها المصرف الزراعي، أين أخفقت هذه المبالغ، أم أن لمصلحة البعض السكوت عنها، والاكتفاء بتدويرها من عام لآخر، هذا غيض من فيض فهو مبلغ /4286/ مليون ليرة سورية
ت. نتساءل كيف تم منح قروض لموظفي المصارف الزراعية بهذا المبلغ الضخم؟!
انطلاقاً من هذه الوقائع من جرائم الفساد المالي الكبير في مؤسسات الدولة الإنتاجية والمالية، ومرتكبوها من كبار المسؤولين في هذه المؤسسات وهم لا يزالون مستمرين في عملهم…
إني أرى أن من الواجب الوطني والإنصاف يتطلب من الحكومة إعادة النظر بالمادة /137/ إلغاءها أو تعديلها بصيغة قانونية تفسح في المجال للعاملين الذين يتهمون من قبل الإدارة، بارتكاب خطأ ما في العمل، أن يكون لهم حق الاعتراض لدى المحاكم انسجاماً مع روح الدستور السوري الذي نص صراحة "المتهم بريء حتى يدان من قبل القضاء" وذلك تحقيقاً للعدالة وهذا ما يطالب به جميع عمال القطاع العام، ونقاباتهم…
لدينا تجربة في القطاع الخاص الخاضع لقانون العمل رقم /91/ لعام 1958 الذي أخضع عملية تسريح العمال للمرسوم /49/ الذي نص على لجنة يرأسها قاض، مهمتها فقط البحث في موضوع طلب صاحب العمل تسريح العامل، وتصدر قراراً بذلك ويحق للعامل ولصاحب العمل الاعتراض على قرار لجنة قضايا التسريح لدى القضاء العادي والاستئناف والنقض…
وقد حدد المرسوم /49/ مبادئ واضحة تسمح لصاحب العمل تسريح العامل إذا خالف هذه المبادئ…
إن إلغاء أو تعديل المادة /137/ من قانون العاملين رقم /50/ ليس بالأمر الصعب على الحكومة، بل جرى تعديل عشرات القوانين والمراسيم خلال دورة مجلس الشعب الماضية، استجابة لطلب كبار الصناعيين والتجار وتسهيلاً ودعماً لنشاطهم ليساهموا في عملية التنمية الاقتصادية وزيادة الدخل الوطني، ولتوفير فرص عمل جديدة للعاطلين عن العمل…
وأخيراً أرى أن الدفاع عن حقوق العمال ومطالبهم المشروعة في ضرورة إلغاء المادة /137/ أو تعديلها بحيث تكون منسجمة مع روح ونص الدستور السوري الذي أكد بأن المتهم بريء حتى يدان من قبل القضاء، وفي الوقت ذاته نؤكد على الدفاع عن مؤسسات القطاع العام والإستراتيجية الرابحة ومحاربة الفساد والفاسدين سارقي الأموال العامة هو واجب وطني بامتياز…
إن تحقيق هذه الأهداف تتطلب النضال لإطلاق الحريات الديمقراطية والسياسية للشعب وفي مقدمتها وقف العمل بقانون الطوارئ، وإصدار قانون ديمقراطي للأحزاب السياسية وصحافة حرة وزيادة الرواتب والأجور لمواجهة موجة الغلاء…
إن تحقيق هذه المطالب والأهداف الوطنية هو في صالح توفير مناخ ديمقراطي لتحقيق الوحدة الوطنية لتحصين الجبهة الداخلية والتصدي لضغوط ومؤامرات الامبريالية الأميركية والصهيونية أعداء شعبنا…
حلب 12/11/2008




















