جلسنا في المقهى، والمقهى في هذه الأيام أصبح "هايد بارك" المثقفين المعارضين، فهو المكان الوحيد الذي يسمح أن يجتمع فيه أكثر من ثلاثة أشخاص دون أن تطالهم حالة الطوارئ. فنتحدث فيه بحرية وننتقد النظام، مع علمنا أنه ليس جميع عمال المقهى فقط مرتبطين بالأجهزة الأمنية، وإنما بعض الجلساء الذين يتوزعون بين الطاولات على مسافات يستطيعون فيها سماع ما يدور من أحاديث. أقول جلسنا في المقهى نتناقش حول الديمقراطية والديكتاتورية في الوطن العربي،وكيف أن الله حبانا بالثانية وحجب عنا الأولى، كما وهبنا حكاماً لم يخلق مثلهم في البلاد.
كان بيننا عالِمُ اجتماعٍ ديمقراطي،على حد قوله، يسمع الحوار وهو ساكت.ولكنه سرعان ما انتفض فجأة، عندما قلنا إن الديمقراطية مغيبة في وطننا العربي وبضمنه سورية، وقال: بصفتي عالم اجتماع أود أن أصحح مفاهيمكم عن الديمقراطية. أنتم تعدون أوربا ديمقراطية وسورية ليست كذلك، وسابرهن لكم علمياً على عكس ذلك عندما تفهمون مهنى الديمقراطية ومحتواها. أنتم لا تفهمون من الديمقراطية إلا قشورها المتمثلة في الانتخابات وحرية الصحافة وتشكيل الأحزاب وتداول السلطة.
هل لديكم صفات للديمقراطية أكثر من ذلك؟ هذه ياسادة كلها شكليات تخفي وراءها استغلال الشعوب. فالأحزاب التي تتداول السلطة في أوربا الديمقراطية،على حد زعمكم، كلها رأسمالية. أي ان حزباً واحداً يتداول السلطة بأسماء مختلفة. إذن ما هو الفرق بين أن يبقى حزب واحد على رأس السلطة عشرات السنين وبين حزب واحد بأسماء مختلفة؟؟ فهل هنالك فرق بين أن يستلم السلطة الحزب الاشتراكي الفرنسي أو الحزب الديغولي؟ إنكم تستشهدون بالسويد مثالاً على الديمقراطية. كم عدد العمال والفلاحين في برلمان السويد؟ إنهم لا يتجاوزون 5% على أبعد تقدير، بينما هم عندنا في مجلس الشعب 50% حسب نص دستوري ملزم. اسمعوا ما تقوله المادة 53 من الدستور(قاطعه أحد الموجودين، ولكن الدستور معطل بموجب حالة الطوارئ)، رد عليه صاحبنا عالم الاجتماع قائلاً: لم تشمل حالة الطوارئ هذه المادة، وكذلك المادة الثامنة التي تنص على أن حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع. هل تعرفون لماذا؟ لأن بقاء المادة الثامنة هي الضمانة لتنفيذ المادة53 من الدستور التي تنص على مايلي: يحدد القانون الدوائر الانتخابية وعدد أعضاء مجلس الشعب على أن يكون نصفهم من العمال والفلاحين.
هذه هي الديمقراطية الحقيقية! أم تريدون حرية صحافة وحرية أحزاب وحرية مظاهرات وأن تتحول سورية إلى منطقة قلاقل واضطرابات، كحما هو حاصل اليوم في لبنان؟ هل يعجبكم ما يجري في لبنان؟ مظاهرات ومظاهرات مضادة، وبلد بلا حكومة؟ كيف يستطيع أن يدير شؤونه بلا حكومة؟ لو كان في لبنان حالة طوارئ لما وصل إلى ما وصل إليه من حالة الفوضى السائدة! أم تريدون أن تصبح سورية مثل لبنان؟ انظروا إلى حالة الاستقرار التي تتمتع بها سورية منذ48 عاماً! أليست نعمة من نعم حالة الطوارئ التي تتذمرون منها؟ ثم ها أنتم تتحدثون بحرية دون أن يعتقلم أحد. ثم هل تضمنون أن تبقى نسبة الـ 50% للعمال والفلاحين إذا رفعت حالة الطوارئ وسمح بحرية الصحافة وتشكيل أحزاب مما هب ودب؟ هل تضمنون أنتم أيها المعارضون، هذه النسبة للعمال والفلاحين إذا نجحتم في الانتخابات؟
-ولكن دخل المواطن السويدي الذي نسبة العمال والفلاحين في برلمانه، على حد قولك، لاتتجاوز الـ 5% يعادل اربعين ضعف دخل المواطن السوري، ولديه ضمانات صحية وتعويضات بطالة، بينما تعاني سورية من بطالة متفاقمة تصل إلى أكثر من 20%.
– هذه قضايا اقتصادية ولا علاقة لها بالديمقراطية، ثم غن السويد ليس لديها أراضٍ محتلة،ولا تنفق على جيشها كما ننفق نحن، ولا تحتاج إلى جهاز مخابرات كما نحتاج. فنحن مطوقون بأعداء، إسرائيل في فلسطين، وأميركا في العراق، وعلاقاتنا بالأردن ليست على ما يرام، ولبنان لا ندري إلى أين يسير؟ الديمقراطية يا سادة هي حكم العمال والفلاحين الفقراء الذين يضحون بلقمة عيشهم في سبيل الوطن، في سبيل أن يبقى الوطن حراً سيداً مستقلاً! فرغم أنهم يشكلون نصف مجلس الشعب لم نسمعهم يوماً يطالبون بمنفعة خاصة. إنهم يزرعون لنأكل وينسجون لنلبس ويعصرون النبيذ لنشرب!..
– وكيف تحددون من هو العامل والفلاح؟
– قانون العاملين الأساسي هو الذي يحدد من هو العامل.إن كل من يعمل عند الدولة بأجر. فحاكم مصرف سورية المركزي، ومدراء مؤسسات القطاع العام ورئيس مجلس الوزراء وأساتذة الجامعات ورئيس محكمة أمن الدولة…. كلهم عمال ويترشحون عن الفئة(أ) لأنهم يقبضون رواتبهم من الدولة.
– وبائع الشوندر والعرانيس وملابس البالة؟
– إنهم ليسوا عمالاً حسب القانون. إنهم برجوازيون صغار.فهم يترشحون عن الفئة(ب) وتكفل المادة 57 من الدستور حرية الانتخاب.فهي تنص على حرية الناخبين في انتقاء من يمثلهم في مجلس الشعب.كما تنص على عقاب العابثين بإرادة الناخبين. ومجلس الشعب هو الذي يرشح رئيس الجمهورية.ورئيس الجمهورية هو الذي يعد مشاريع القوانين،ويحيلها إلى مجلس الشعب للمصادقة عليها، تأملوا في هذه الديمقراطية! إن مشروع القانون لا يصبح قانوناً إلا إذا وافق عليه مجلس الشعب.
– وهل سنَّ مجلس الشعب خلال العقود الأربعة الماضية قانوناً واحداً أو رد قانوناً واحداً أو حجب الثقة عن حكومة؟ أم اكتفى بما يرد إليه من السلطة التنفيذية؟
– كلا لم يسن، ولم يرد ولم يحجب لأن لدى مجلس الشعب مشاغل أخرى أهم.
– وماهي؟
التحضير للمؤتمرات البرلمانية العربية والدولية وإرسال وفود إلى البلدان الأخرى لشرح قضايانا العادلة ولاحقة قضايا المواطنين الذين انتخبوهم….وقبل أن ينهي حديثه الشيِّق وردته مخابرة تلفونية فنهض قائلاً: أمرك سيدي! ثم غادرنا دون استئذان….




















