المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية غريبة وعجيبة، فِي آن. هي غريبة بطولها، ومساراتها، وتشعباتها، وعدم اليقين بنتائجها أو مآلاتها. وهي عجيبة في "الإبداعات" التي تتمخّض عنها.
هكذا، مثلا، جرى تقسيم هذه المفاوضات، وفق اتفاق "أوسلو"، إلى مرحلتين: انتقالية، وتختص بقيام سلطة فلسطينية، ومدتها خمسة أعوام، (لم تنته حتى بعد 17 عاما!)، ونهائية معنية بالقضايا الأساسية، التي تشمل التقرير بشأن حلّ قضايا اللاجئين، القدس، المستوطنات، الحدود، الترتيبات الأمنية (وهي لم تبدأ بعد!). ومن عجائب هذه المفاوضات أيضا أنها تأسست، بالنسبة لإسرائيل، على البدء من نقطة النهاية، أي بانتهاج الفلسطينيين (والعرب عموما) طريق السلام، قبل استعادة أراضيهم وقبل نيل حقوقهم الوطنية، ومن دون أي تحديد لمآلات هذه العملية بالنسبة لهم. وبهذا الخصوص أكدت التجربة بأن إسرائيل تركز أكثر على عملية التسوية، فهذا هو المهم بالنسبة لها، وليس نهايتها أو مآلاتها.
ومنذ البداية خضع المفاوض الفلسطيني لابتزاز إسرائيل، المتمثل برفضها تعريف وجودها في الأراضي المحتلة (1967) كوجود احتلالي، ورضخ لإملاءاتها بشأن اعتبار الصراع على الأرض وكأنه صراع بين شعبين أو بين حقين! وبناء عليه فقد جرى تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاثة أجزاء (أ وب وج)، بحيث تسيطر السلطة على المناطق الأولى، وتتقاسم السيطرة على المناطق الثانية مع إسرائيل، في حين تسيطر إسرائيل أمنيا في المنطقة الثالثة! علما أن إسرائيل طمست أي تمييز بهذا الشأن باستمرار سيطرتها على كل مناطق السلطة.
وبالنسبة للأنشطة الاستيطانية فمرة نسمع عن تقسيمها إلى أنشطة شرعية وأنشطة غير شرعية، ومرة نسمع عن تقسيمها إلى مستوطنات أمنية ومستوطنات سياسية، ومؤخرا بتنا نسمع عن مستوطنات وعن بؤر استيطانية.
أما بما يخص القدس، فهي عند إسرائيل ستبقى عاصمتها الموحدة والأبدية، وإذا كان يمكن فهم تعبير موحدة (بشكل ما)، فماذا يعني أبدية؟! وهل ثمة ظاهرة أو إمبراطورية تعمر إلى الأبد؟! أما باراك، العمالي والليبرالي، فقد تفتقت قريحته في مفاوضات كامب ديفيد 2 (تموز2000) عن حل "إبداعي" للتنازع على المسجد الأقصى، أو "جبل الهيكل" بالمصطلحات الإسرائيلية (التوراتية)، بحيث اقترح تقاسم السيادة في المسجد، فوق الأرض للفلسطينيين، وتحت الأرض للإسرائيليين!.
وبشأن حق العودة للاجئين الفلسطينيين فتعتبر إسرائيل الأمر منتهيا بالنسبة لها، وعلى العالم والعرب حل مشكلة هؤلاء، خارج إسرائيل، أين؟ في أوروبا في الأمريكيتين في آسيا أو إفريقيا، لايهمها. فقط هي يمكن أن تشارك في صندوق يخصص لهذا الغرض، ويستحسن ان يسهم هذا الصندوق ايضا، بالتعويض على "اللاجئين اليهود" من الدول العربية إليها!
في مجال الأمن، فهذه إسرائيل التي تتمتع باحتكار التسلح النووي في المنطقة، والتي تحظى على ضمان الولايات المتحدة لأمنها واستقرارها، والتي تعتبر أقوى قوة إقليمية في الشرق الأوسطـ، هذه الدولة تطالب الفلسطينيين بضمان أمنها، وتشترط موافقتها على إقامة دولة فلسطينية، بتجريد هذه الدولة من السلاح!
الأنكى من كل ما تقدم أن إسرائيل تريد من العالم العربي والدول الكبرى مكافأتها على مجرد سيرها في عملية التسوية، كيف؟ عبر التطبيع، فهي تريد جائزة لمجرد انسحابها من الأراضي التي احتلتها، واستغلتها، ونكلت بأهلها، طوال أكثر من أربعة عقود. وحتى لا نفهم خطأً، فإن التطبيع عند إسرائيل هو غير التطبيع المتداول في بعض الكتابات السياسية "الساذجة" والدارجة عندنا. فهذه الدولة ترفض تماما، بيمينها ويسارها، بعلمانييها ومتدينيها، التحول إلى دولة شرق أوسطية، أو إلى مجرد دولة من دول المنطقة. ومعلوم أن إسرائيل تعلي من شأن ذاتها كدولة يهودية، وترى في نفسها بمثابة "جزيرة" حضارية في الشرق الأوسط تنتمي للغرب المتقدم، لا للشرق المتخلف. ومعنى هذه الاعتبارات أن هذه الدولة تنأى بنفسها عن التطبيع وعن الاندماج في المنطقة، لأنها تدرك أن هذا الأمر ينهي فرادتها، ويميع هويتها، ويفتت عصبيتها، ويذوّب مجتمعها.
على كل فإن "عبقرية" إسرائيل التي لا تنتهي تفتّقت مؤخرا عن طرح مشروع "دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة"، كطبعة أخيرة من جهودها لتمييع المفاوضات، وترضية الجهود الأميركية والدولية، وإشاعة انطباع بأن الصراع بات بين دولتين، وأنه مجرد صراع حدودي، فقط لا غير.
في مقابل ذلك فإن الفلسطينيين باتوا لاحول لهم ولا قوة في هذه المعادلات، فالعالم مشغول عنهم بأزماته (الإرهاب، الملف النووي الإيراني، وغير ذلك من أزمات اقتصادية وبيئية)، أما العالم العربي، فمشغول بهمومه السياسية، وبمشكلات الشرعية، كما بقضاياه وأزماته الاجتماعية والمعيشية؛ فضلا عن تضارب اجندات الوحدات المكونة له، وتباين تعريفها لمصالحها. وفي حيزهم الخاص فإن الفلسطينيين مازالوا يعانون النزف، غير المحسوب، الذي تعرضوا له طوال العقد الماضي، والذي فاقم منه الاختلاف والانقسام في صفوفهم، وتحكم إسرائيل بأوضاعهم، ولاسيما بالنظر لارتهانهم للمساعدات الخارجية. هكذا، فبعد وقف المقاومة في الضفة وغزة، من قبل فتح وحماس، وبعد التحول إلى نوع من سلطة هنا وهناك، لم يبق ثمة خيارات لدى الفلسطينيين، خصوصا في ظل حركة وطنية باتت مستهلكة، شعبيا، ومحدودة الأفق سياسيا، ومشغولة سلطويا؛ سوى الخروج من اطر المعادلات السياسية الراهنة وهو خروج غير مرغوب، لا عند فتح ولا عند حماس.
في هذه الأحوال تجري محاولة التغطية على استمرار العبث التفاوضي، في التمييز بين مفاوضات مباشرة وغير مباشرة، تماما مثلما جرى التمييز سابقا بين مفاوضات سرية وأخرى علنية! فالمفاوضات هي مفاوضات، وفي المفاوضات، فقط موازين القوى، والمعطيات الدولية والإقليمية، والإدارة المفاوضة، هي التي تحدد النتائج، وليس الشطارات، ولا التوهمات، ولا القراءات الخاطئة بالطبع.
"المستقبل"




















