هل استعجل السوريون النصر في لبنان، وهل استعجل اللبنانيون الانكسار مبكراً؟
قد يكون السؤال ملائما في هذه المرحلة بعدما بدأ حلفاء سوريا في لبنان يشنون حملة تساؤلات وغمز من قناة زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري لواشنطن، واثر توالي التسريبات السورية حول هدف الزيارة فيما سارعت بعض الاوساط اللبنانية الى تقديم تبريرات حول مغزى ذهاب الحريري الى العاصمة الاميركية واهدافه المرسومة تحت سقف العلاقة الجديدة مع دمشق وربطها بجولة ثانية من المحادثات يجريها رئيس الحكومة في قصر الشعب.
ووفق اوساط سياسية على صلة بدوائر غربية رفيعة مواكبة للوضع اللبناني، فان لبنان يتعاطى منذ عام وحتى اليوم مع ايقاع تطور واحد هو العلاقة السورية السعودية. لكن دفة واحدة لا تكفي لمواكبة التطورات اللبنانية، فالوضع الداخلي لا يرتبط بما تنتج عنه زيارة الامير عبد العزيز بن عبدالله لدمشق فحسب، انما لها امتدادتها الاقليمية المتشعبة من العراق الذي عاد يتفجر مجدداً على اعتاب الانسحاب الاميركي منه وخواتيم تشكيل الحكومة العراقية الى ملف فلسطين الداخلي بين "فتح" و"حماس" والملف الاقليمي لجهة تطور مسار المفاوضات مع اسرائيل. ناهيك عن الوضع الايراني وتفاصيل العلاقة في الملف النووي ومستوى العقوبات التي يمكن ان تتخذ ضد ايران والخاتمة التي يمكن ان تنتهي اليها صلة ايران بالعالم الغربي.
لكن بحسب هذه الاوساط فان لبنان اغفل كل هذه الملفات او تعاطى معها على انها باتت في حكم المنتهية بعد اتضاح كل معالمها، – وهو امر لم يحدث مطلقا – وانصرف الى تحديد علاقته مع سوريا وفق الايقاع السعودي، مع اغفال بالغ الاهمية لامرين هما الدور المصري والتشدد الذي عاد يبديه الغرب مع دمشق والتباس موقف الاخيرة في المفاوضات الفلسطينية مع اسرائيل وتأليف الحكومة العراقية والدور التركي المتقاطع حيناً مع ايران واحياناً مع سوريا بالنسبة الى كيفية معالجة الوضع في البلدان المحيطة بها وخصوصا العراق وتشعبات النووي الايراني.
ففيما تعيش سوريا منذ اشهر على ايقاع احتمالات تعيين سفير اميركي لديها، يذهب الحريري الى واشنطن للقاء الرئيس الاميركي باراك اوباما، الامر الذي يثير حفيظة دمشق، ويبعث لديها مجددا عوامل يقظة وحذر من مغبة المحادثات التي ستدور بعيداً عنها. واولى الحملات الكلامية والاعلامية التي بدأت تسرّبها تعيد التذكير بالحملة التي رافقت زيارة رئيس الجمهورية ميشال سليمان الى العاصمة الاميركية وبعدها حول فحوى المحادثات التي قيل انها جرت هناك، وزيارة وزير الدفاع الياس المر لواشنطن.
وتعتبر سوريا وفق حلفاء لها ان تحديد موعد للحريري في هذا الوقت بالذات يحمل تفسيرات ورسائل مبطنة، في اعقاب تجديد واشنطن العقوبات عليها لسنة جديدة وتعليق تعيين سفير اميركي لديها، وبعدما حظيت سوريا بلقاء واحد على مستوى نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد في واشنطن في تشرين الاول الماضي مع مساعد وزير الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الاوسط جيفري فيلتمان. وقد حوّل السوريون اللقاء اليتيم حدثا لمدة اسابيع رغم الموقف المعروف لفيلتمان من دور دمشق في بيروت.
وتشير المصادر الى ان ثمة قلقا عادت سوريا لتعيشه مجددا، رغم محاولتها اشاعة اجواء عن عودتها الى الساحة الاقليمية بعد زيارة الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف لها، واللقاء الثلاثي في تركيا بين الرئيس بشار الاسد وامير قطر حمد بن خليفة آل ثاني ورئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، الا ان مجرد زيارة ميدفيديف لتركيا بعد دمشق من شأنه ان يفتح ابعادا جديدة للمثلث السوري الايراني التركي.
وبحسب تقرير غربي امني اولي عن تقويم زيارة ميدفيديف لانقرة فانها تتعدى الطابع الاقتصادي والنفطي الى البحث في جوهر دور تركيا التي تتقاطع مع ايران في ملفها النووي وتقف ضدها في العراق، وتساند سوريا، في علاقة ظاهرها جيد، وباطنها التزام شروط دولية عنوانها في لبنان عدم العودة السورية اليه مع رفض مطلق لتحول بيروت مركز تهديد للنظام السوري.
وفيما تسعى تركيا الى دور اكبر حجما من ذلك الذي عرفته خلال العقود الاخيرة، كونها تملك امتدادات دولية واوربية تحديدا، تعود دمشق لتخضع لتشدد اوروبي عبّر عنه وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير اخيرا حول صواريخ "سكود" الامر الذي فسرته مواقع الكترونية سورية واخرى تابعة لـ"حزب الله" انه كان السبب في تأجيل زيارته لبيروت ودمشق هذا الاسبوع لعدم رغبة دمشق في استقباله تحت هذا العنوان. فيما بدأ وزير الدفاع الفرنسي ايرفيه موران زيارة " امنية" لبيروت، لها صلة بوضع القوات الدولية في الجنوب الواقعة تحت سلطة القرار 1701 وما يتصل باحتمالات الحرب والسلم في المنطقة.
وعودة التشدد الغربي مع دمشق يعيد الاوضاع برمتها الى دائرة الحذر، وكأن فترة السماح التي اعطيت لها تشارف الانتهاء، بعد مضي عامين على تطور ملحوظ في النظرة الدولية تجاه دمشق. وبحسب الدوائر الغربية فان لبنان وحده يتعاطى مع دمشق على قاعدة انها عادت صاحبة دور وصاية عليه، بدليل الحديث عن ضلوعها الجديد في الانتخابات البلدية في البقاع وفي الكلام عن دورها في تعديلات حكومية مرتقبة تكون راضية عنها، وخصوصا في تقديم اعادة برمجة التعديلات على الاتفاقات معها على انه واجب لبناني او فرض يجب انجازه. في حين ان بيروت تحظى في هذه الآونة باهتمام غربي لافت تمثل في الاتصالات الاميركية والاوروبية التي اجريت مع اسرائيل لحثها على تفادي اي توتر مع لبنان. وكانت السفيرة الاميركية ميشيل سيسون واضحة في نقل رسائل في هذا المعنى الى كبار المسؤولين اللبنانيين حول التدخل الاميركي في اللحظات الاخيرة مع تل ابيب لتفادي عمل "حربي" محدود" في الاسابيع الماضية خشية تحوله شرارة حرب واسعة، في وقت عاد التيار الداعم لمنع عودة النفوذ السوري الى لبنان وفرملة اندفاعة الفريق المؤيد لحوار مفتوح مع دمشق، يستعيد حضوره داخل الادارة الاميركية.
"النهار"




















