نحو العام 1924 أغوى الأستاذ الجامعي تلميذته. كان متزوجاً وله من العمر خمسة وثلاثون عاماً، وهي عزباء لم تتجاوز ثمانية عشر ربيعاً. كان فيلسوفاً وكانت لا تزال صبية يافعة، أبكرت في نضوجها، وتتهيأ لمستقبل باهر. كان هو على عتبة إعتناق النازية وكانت هي يهودية: إنهما مارتن هايدغر وحنة أرندت. لو أمكنك فهمها، كزوجين وكفردين مستقلين، يمكنك حتماً فهم العالم وكل أحاجيه. وقد تعجز، مذذاك، عن النوم.
كثيرون رووا حكاية العلاقة بين هايدغر وارندت التي لم تفقد جاذبيتها بالنسبة للمؤلفين. هذه الحكاية كانت موضوع كتاب صدر حديثاً بعنوان "الغريب من الخارج" لمؤلفه دانييل مايركاتكن وجرت مراجعته اخيراً على الصفحة الأولى لملحق الكتب الذي تصدره صحيفة "نيويورك تايمز"، اي في مكان يليق بهذين المثقفين العملاقين، كي لا نقول يليق بعلاقتهما الغريبة وبديمومة الوله بينهما. فبعد الحرب العالمية الثانية دافعت ارندت عن هايدغر واستأنفا صداقتهما.
من اليسير فهم العلاقة التي جمعت بينهما. ففي حين كانت هي صبية فاتنة كان هو رجلاً قوياً وصاحب إنجازات ثقافية عظيمة ونجماً بالمعنى السابق على النجومية التي باتت تتطلب اليوم الرقص وإذلال الذات على شاشة التلفاز. لكنه سيكون من الصعب، بل من الصعب جداً، فهم أو عذر اصرار ارندت – ام حاجتها؟- على المضي قدماً في هذه العلاقة ما بعد الحرب. ففي نهاية الأمر لم تتسم نازية هايدغر بالبلادة والقعود. لقد أمطر هتلر بالمدائح، وكرئيس لجامعة فرايبيرغ ساهم في تطهير الكليات من اليهود الذين من بينهم زملاء له.
اما أرندت فقد حازت في إثر الحرب على شهرة مطلقة. كتاباتها عن أدولف ايخمان، ولاحقاً كتابها "أيخمان في القدس"، احدثت صخباً مدوياً وأثارت حساسيات جمة. صاغت ارندت عبارة "تفاهة الشر" التي، كما كل البداهات الذكية، كان مصيرها التحول كليشيه. كما أنها كانت موضع إحتفاء وإحتقار على حد سواء بسبب إتهامها عدداً من اليهود بتواطؤ مزعوم في المحرقة- مع ما ينطوي عليه مثل هذا الحكم من قسوة وخبث.
لم تكن حنة ارندت مجرد فتاة فشلت في تجاوز حبها الاول – ما لم تكن كذلك حقاً. على اي حال فإن بنيتها العاطفية تهمني اقل بكثير من بنية هايدغر. فخاصته تنم عن تألق فريد لفيلسوف لا تزال اعماله تثير النقاش حتى اليوم. كما أن نازيته لم تكن وليدة إنتهازية مجردة- كما كانت حال وارنر فون برون الذي كان يحتاج الى دعم هتلر لإطلاق صواريخه أو هربرت فون كاراجان الذي لم يكن ليدع الاخلاق المطلقة ان تقف حائلاً بينه وبين مهنته اللامعة. كان هايدغر قد ارسى مهنته على نحو لم يجعله مضطراً لأن يكون نازياً. كان يريد ان يكون نازياً.
بالنظر اليهما معاً، إنهما، على وجه الدقة، زوجان مخيفان. إثنان من أعظم فلاسفة القرن العشرين، تعارضت عبقريتهما مع حياتيهما المروعتين لسبب غير مفهوم. أحدهما إعتنق النازية والاخرى عذرته لإقدامه على هذا الامر. في مكان ما، لم يختلفا عن اي ابله وفتاته. وعلى سبيل الحيطة والحذر ينبغي أن ترفع لهما نصب في كل ساحات المدن، ولوحات إعلانية تظهرهما ينظران بإستعلاء ناحية البسطاء الذين يعتقدون، كما إعتقد الان غرينسبان مرة برومانسية بشأن الاسواق المالية، أن الإنسان عقلاني.
حدث مرة أنني حاربت في مواجهة مفهوم الشر. أجفلني رونالد ريغان عندما وصف الإتحاد السوفياتي بإمبراطورية الشر. "الشر" لا يقترح علينا اية نوازع، إذ انه قوة غير لا يمكن إستيعابها. وهذا بحد ذاته يستثني إمكان التسوية وهو أمر مرعب. مع ذلك كان ريغان محقاً بشأن النظام السوفياتي، في حين ان جورج بوش، بعده بسنوات عدة، كان مخطئاً وإنتهازياً في الوقت نفسه عندما إستغل ريغان من أجل وسم ثلاثة أنظمة مختلفة ولا رابط بينها بـ "محور الشر"، بميكانيكية سخيفة وفصاحة مقيتة. إحذر الذين يدعونك الى عدم التفكير.
حنة أرندت ومارتن هايدغر يمثلان السرعة الضوئية للثقافة والحدود المطلقة لما يمكن أن يصنعه المنطق والطبيعة المتثاقلة والغادرة للشر. التفاهة الكاملة للولاء، للوله القديم او تفاهة العجز عن الإعتراف بالخطأ أعمت أرندت عن شرور هايدغر كما أعماه شره عن تبعات هذا الشر. لقد افلح في الفصل بين الثقافة والاخلاق فيما عجزت هي عن الفصل بين الشخص الذي صارته وذاك الذي كانته في يوم من الايام. كتبت ارندت مباشرة بعد الحرب أن "اشكالية الشر ستكون السؤال الرئيسي المطروح على الحياة الثقافية في اوروبا ما بعد الحرب"، ثم بعد ذلك بسنوات قليلة، غادرت الى المانيا وخابرت حبيبها القديم، ليتبين ان التفاهة ليست من نصيب الشر، إنها من نصيب الحب.
"الواشنطن بوست"
ترجمة نديم قطيش
"النهار"




















