تراجعت أهمية الإنجاز السياسي الذي حققته المساعي الأميركية في المنطقة، والمتمثل بعودة المفاوضات غير المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أمام الإنجاز الذي حققته تركيا والبرازيل مع إيران بشأن تبادل مادة الأورانيوم. فالإسرائيليون الذين يُقدمون اليوم على هذه المفاوضات على مضض إرضاءً للأميركيين الذين وعدوهم أنهم مقابل تسهيلهم للعملية السياسية مع الفلسطينين، سيحصلون على تشديد العقوبات مع إيران، يجدون أنفسهم أمام واقع سياسي مغاير. فمعادلة "ناتنز مقابل يتسهار" أي المنشآت النووية الايرانية مقابل المستوطنات اليهودية في الضفة لم تعد قائمة، وكذلك المقايضة التي طرحتها إدارة أوباما على إسرائيل، أي مقابل إنسحاب إسرائيل من الضفة الغربية وقبولها بقيام دولة فلسطينية مستقلة ستحصل على حل دولي لمشكلة السلاح النووي الإيراني.
أشاع الإتفاق التركي مع إيران على تبادل الأورانيوم جواً من عدم الإرتياح الإسرائيلي. فثمة إجماع بين المعلقين الإسرائيليين على أن الإتفاق هو "للضحك على الأميركيين" و"للتهرب من العقوبات الدولية"، لا بل ذهب البعض الى تصويره بأنه "هزيمة لإسرائيل" و "إنجاز إيراني". وضمناً يعتبر الإسرائيليون ما جرى في طهران هو خطوة في اتجاه إعداد الرأي العام الدولي للقبول مستقبلاً بإيران النووية.
ولكن على الرغم من كل هذا الإمتعاض الإسرائيلي، فالمرجح أن إسرائيل كانت في صورة ما يجري مع إيران. فلقد سبق للرئيس البرازيلي دا سيلفا أن زار إسرائيل في آذار الماضي، حيث من المحتمل أن يكون قد تحاور مع الإسرائيليين حول الموضوع. كما من غير المستبعد أن تكون تركيا قد وضعت إسرائيل في صورة الحوار مع طهران. فعلى الرغم من كل التوتر الإسرائيلي-التركي، والذي كاد يتحول قبل شهرين أزمة ديبلوماسية حقيقية، بعد الإهانة التي تعرض لها السفير التركي من جانب المدير العام للخارجية الإسرائيلية؛ فإن تركيا لم تقطع علاقاتها الديبلوماسية مع إسرائيل، وما زالت تتطلع الى استعادة دور الوسيط الذي لعبته أيام رئيس الحكومة السابق إيهود أولمرت بين سوريا وإسرائيل، ولاسيما اليوم وبعد أن عزز الإتفاق التركي مع طهران المكانة الإقليمية لتركيا كوسيط في حل النزاعات.
كل ذلك يدفع الى طرح التساؤل التالي: هل من الممكن أن ينعكس الإتفاق الأخير مع طهران سلباً على المفاوضات غير المباشرة بين الفلسطينيين وإسرائيل؟ وهل سيؤدي تعثر مجلس الأمن في فرض العقوبات الإقتصادية على طهران إلى اضعاف الوساطة الأميركية في المنطقة؟
من المعلوم أنه لولا الضغط الأميركي الكبير على إسرائيل لوقف البناء في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، لما نجح جورج ميتشل في حمل الفلسطينيين على العودة الى طاولة المفاوضات. لذا ففشل المشروع الأميركي بفرض عقوبات إقتصادية على إيران، سيضعف الوساطة الأميركية، وتالياً الإستجابة الإسرائيلية للضغوط. ويتساءل معلقون اسرائيليون لماذا سيكون على إسرائيل وحدها أن تدفع ثمن التسوية مع الفلسطينيين وتقوم بإنسحابات جديدة، في الوقت الذي يسجل محور الدول المتشددة الذي تتزعمه إيران الإنجاز تلو الاخر؟
وليس خافياً على الحكومة الإسرائيلية أنه حتى لو جرى تأجيل البحث في موضوعي القدس واللاجئين؛ فأي تسوية مع الفلسطينيين لا يمكن ان تتم من دون الاعتراف بحدود الدولة الفلسطينية العتيدة، والإتفاق على الترتيبات الأمنية معها، والقيام بتفكيك المستوطنات اليهودية المعزولة في الضفة الغربية. هذا هو اتفاق الحد الأدنى الذي يضغط في اتجاهه الأميركيون، لكن الذي يلاقي حتى الآن معارضة من جانب أحزاب اليمين القومي التي تشكل قاعدة الإئتلاف الحكومي الذي يحكم بواسطته نتنياهو. فاليمين في إسرائيل يعلن انه لن يقبل الإعتراف بدولة فلسطينية ما لم يعترف الفلسطينيون بيهودية دولة إسرائيل. والفلسطينيون لن يقبلوا تأجيل موضوع القدس الشرقية ما لم يحصلوا على تعهدات اميركية تضمن السيادة العربية على الأحياء العربية، الأمر الذي يرفضه حتى الآن الإسرائيليون.
وبذلك فإن سقوط مشروع العقوبات الإقتصادية على إيران في مجلس الأمن، سيشكل عملياً انتكاسة للوساطة التي تقوم بها الولايات المتحدة، من أجل التوصل خلال عامين الى تسوية نهائية للنزاع الفلسطيني-الإسرائيلي.
"النهار"




















