أمضيت معظم الايام السبعة المنصرمة بين مدينتين "استقطابيتين" هذه الايام في المنطقة، مررت خلالها يوماً واحداً في بيروت. المدينتان، الاولى على الطرف الجنوبي الشرقي للمنطقة والثانية على طرفها الشمالي الشرقي.
انهما دبي… واسطنبول.
الاولى ازورها لأول مرة بعد أزمة العام الماضي التي تسميها معظم التقارير الغربية "الازمة العقارية" في دبي… لا "الاقتصادية" مثلاً. و للمرة الاولى منذ أكثر من عشرين عاماً اتردد فيها على دبي، اما قاصداً إياها واما عابرا الى بلد آخر، لم اشاهد في "مرمى" نظري منذ اللحظة الاولى لمغادرتي مطارها تلك الرافعات الصفراء الشاهقة التي تدل كثافتها على حركة عمرانية قيد الانشاء.
سألت عديدين، خبراء وغير خبراء هل سبب غياب علامات الورش الصفراء "انتهاء" بناء معظم المدينة وناطحات سحابها عموما، ام نتيجة الازمة؟ وكانت الاجابات تقول ان السببين قائمان. لكن رقما مثيرا للانتباه قرأته في احد التقارير البريطانية يقول ان هناك 842 مشروعا عقاريا مجمداً في كل دولة الامارات (لا رقم حول دبي وحدها على هذا الصعيد) وكلفتها 350 بليون دولار مقابل استمرار العمل (في كل "الامارات") بـ1296 مشروعا بكلفة 418 بليون دولار.
من الفندق "اتلانتس" الفخم الذي استضافنا فيه "نادي دبي للصحافة" ضمن حشد من الصحافيين العرب بدت لي "شراهة" عقارية ما ضمن مشروع "نخيل"… ففي الجزيرة التي بناها المشروع احتشدت الفيلات الصغيرة الجميلة بشكل متلاصق كان يعطي الانطباع عبر مشهده البانورامي من وراء زجاج غرفتي في الفندق في الطابق التاسع عن غياب مساحات "تنفس" بين البيوت ذات الالوان الطينية.
ونغادر دبي التي يبدو حسب تقرير مهم لرمزي الحافظ في النسخة العربية من "البيزنس ويك" التي يرئس تحريرها ان حركة تغييرات كبيرة شملت المسؤولين في اعلى هرم شركاتها الكبرى المسؤولة عن الازمة (وبينها "نخيل")… دبي التي تتميز عن باقي مدن الخليج، لا باقتصادها غير النفطي فحسب، بل بما حمله ذلك من تشكل "شعب" متعدد الاعراق فيها كمدينة مفتوحة فعلاً.
ها أنا في اسطنبول. "الميغاسيتي"… تصبح اكثر "ميغاسيتي"… وها هنا "قلب" تركيا النابض بالتاريخ والمستقبل… يعطيك مرة اخرى فرصة في الشارع التجاري – السياحي – الثقافي الاول في اسطنبول الجزء الاوروبي… بل في تركيا كلها للتجول بين شرائح طبقة وسطى يزداد اتساعها وازدهارها مع المزيد من نجاح الاقتصاد التركي… طبقة وسطى تراها في الوف المستهلكين – المواطنين في شارع "الاستقلال" ومتفرعاته الضيقة التي لا تحصى… ألوف آتية من عقود طويلة من استقرار "الدولة – الأمة" ومن الشعور الطبيعي بهذا الرسوخ.
سأكتب غداً في النقاش الجدي حول العلاقات العربية – التركية التي استضافتنا اسطنبول لأجلها مرة جديدة، لكن لا بد من القول اليوم – بينما نتجول في شارع الاستقلال – ان هذه "الطبقة الوسطى" التركية التي هي قلب الانتاج ومستهلكته الكبرى هي المساهمة الاساسية في توليد ناتج قومي GDP تصل تقديراته الرسمية لعام 2009 الى 895 مليار دولار في بلد يصدر الى الخارج بلا مواد اولية اكثر من مئة مليار دولار بل بلغ التصدير عام 2008 حوالي 132 مليار دولار… تراجع عام 2009 بضع عشرات بسبب تراجع التصدير الى الاتحاد الاوروبي… من ستين بالماية من الصادرات الى حوالي 45 بالماية منها… وهذا مؤشر مهم لا شك على المسار السياسي لتركيا رغم ان المانيا تبقى الشريك التجاري الرئيسي.
… في "بحر" هذه الطبقة الوسطى الحديثة وحاملة المشروع الديموقراطي تغرق معظم ساعات الليل وكل ساعات النهار ساحة "تقسيم" وجادتها الكبيرة المسماة "الاستقلال".
هنا ليس "قاع" المدينة التي تضم كل يوم من البلقان والاناضول وافدين جددا، فقراء وحالمين وشعراءـ، وعقائديين، وتجاراً، وخبراء، ومهنيين، وسفلة، وأفاضل، عمالاً وارباب عمل… سيصبحون ذات يوم هم اسياد المدينة ومبدعيها ومنتجيها… أليس رجب طيب اردوغان وعبدالله غول واحمد داود اوغلو زعماء الموجة الاخيرة من هؤلاء الوافدين… الذين يساهمون اليوم في تغيير تركيا؟ وفي مستقبل قريب أو بعيد سيحل مكانهم ممثلون سياسيون لجيل وافد جديد.
وغداً سيكون لنا انطباعات اقل وآراء اكثر مثلما يجب ان يكون عليه "الوضع" عندما ننتقل من الشارع الى غرف النقاشات "المغلقة" مع الاكاديميين والاكاديميات الاتراك.
"النهار"




















