وصلت معلومات في الايام الاخيرة، عبر اقنية أمنية، الى عدد محدود من القيادات المعنية عن انتهاء "الماكيت المرئية" التي يعمل المدعي العام دانيال بلمار على تركيبها بالتعاون مع فريق من الاختصاصيين، تمهيدا للقرار الظني الذي اعلن رئيس المحكمة الدولية القاضي انطونيو كاسيزي، توقيت صدوره بين ايلول وكانون الاول المقبلين.
وتزامنت هذه المعلومات مع تأكيدات امنية لبنانية استماع لجنة التحقيق الدولية الى عدد قليل من الذين طلبت من "حزب الله" الاستماع اليهم. وجرت عملية التحقيق في الضاحية الجنوبية.
وكشفت معلومات غربية بالغة الدقة ان القرار الظني اصبح بحكم المنجز، وان اللمسات الاخيرة توضع على الصياغة النهائية، مؤكدة ان ثمة ارتكازا جوهريا على بنية التحقيق الذي اجراه المحقق الدولي ديتليف ميليس والتحقيقات اللبنانية في مراحلها الاولى، قبل ان يصبح الملف في عهدة المجتمع الدولي، مضافا اليه التوسع المعلوماتي والتقني والرسم الكامل لاغتيال الرئيس رفيق الحريري، والذي اجراه بلمار بصفته محققا دوليا ومدعيا عاما.
وتذكّر المعلومات بأنه سبق للتحقيق اللبناني ان ربط اربع عمليات اغتيال بعضها بالبعض الاخر، وهي اغتيال الحريري ومحاولة اغتيال الوزير الياس المر وجورج حاوي وسمير قصير، لكن مسار التحقيق الدولي وصل الى خلاصات تربط كل الاغتيالات ومحاولات الاغتيال بعد 2005.
الا ان ناقلي المعلومات ارفقوها بسؤال محدد: هل لبنان مستعد لتحمل ارتدادات القرار الظني؟ وخصوصا انه يتعامل حتى الان وكأن ما هو مقبل عليه اقل من المتوقع، وهو كاد لا ينتهي من وحول الانتخابات البلدية حتى يدخل في اهتمامات المونديال والسياحة وموسم الاصطياف. ولا يبدو للمتابعين الغربيين ان ثمة مواكبة لبنانية جدية لما هو مقبل عليه، أياً تكن مستوياته، الا في حلقات ضيقة ومحصورة. رغم ان سابقة يوغوسلافيا وما سبق ومحكمتها الدولية فيها وتلاها اطاحت مكوناتها وادت الى نشوء سبع دول من هذه الجمهورية، كافية وحدها أن تثير قلق اللبنانيين الذين يعانون اصلاً تفسّخات اجتماعية وطائفية وسياسية مثيرة للتساؤلات.
هذه الاسئلة دفعت في الايام الاخيرة بعض الدوائر الامنية والسياسية الرفيعة، ذات الصلة بملف المحكمة الدولية الى نقاشات مع اختصاصيين غربيين من مستوى رفيع، حول الارضية الصالحة التي على لبنان ان يواكب بها صدور القرار الظني، في غضون الاشهر الثلاثة المقبلة، ومدى قدرة أي دولة مهما بلغ تماسكها على تحمل تبعاته.
وتحاول هذه الدوائر بالتعاون مع الدوائر الغربية المختصة رسم احتمالات ما بعد صدور القرار ومواكبة لبنان. وتربط بداية بين ما قاله سابقا الوزير السابق وئام وهاب عن التحقيق مع عناصر "حزب الله" واضطرار الامين العام للحزب السيد حسن نصر الله الى الظهور علنا للحديث عن الملف، وبين الايحاءات التي بدأت منذ مدة تحاول التمييز بين سوريا و"حزب الله" في موضوع الاغتيال. وتلفت الى توقيت المحاولات السورية عبر بعض المواقع المقربة منها رمي كرة الاتهام على عناصر لبنانية لها صلة باسرائيل في عمليات الاغتيال، كما حصل سابقا عند رمي الكرة في ملعب مجموعة الـ13 للحديث عن الدور الاصولي في الاغتيالات.
وتشير الى ان ثمة اسماء محددة جرى التبليغ عنها عبر لجنة التحقيق الدولية، لم تعد "على السمع" ولم يعد يعرف عنها شيء لبنانيا ولا سوريا. وهذا يترك المجال للاعتقاد ان القرار الظني، خلافا للاسماء التي حذفت من اول تقرير رفعه ميليس، سيسمي اشخاصا قد يكون الاستماع اليهم لم يعد متوافرا. أي ان القرار لن يتناول اسماء الصف الاول، بل الصف الثاني والمنفذين ، مع ضرورة الاخذ في الاعتبار احتمال غياب اشخاص الحلقة الوسطى، الامر الذي يخفّف اضرار القرار الظني بالصيغة المتفجرة التي كان يمكن ان تحدث لو ذكرت الاسماء في تقرير ميليس الاول.
وتشير هذه الاوساط الى ان تدخل الامين العام للامم المتحدة كوفي انان حينها حال دون ذكر الاسماء في هذا التقرير ، واليوم يشغل هذا الموضوع ايضا بال الامين العام الحالي بان كي مون الذي يسأل باستمرار عن مدى استعداد لبنان لتحمل تبعاته. من هنا الترجيح ان يكون القرار اول الغيث في مسلسل طويل، اذ انه سيحول الانظار نحو مجموعات المنفذين والحلقة الوسطى، تاركا الاستنتاج السياسي، ولو كان معروفا، بعنوانه العريض الى مرحلة المحاكمات.
من هنا المحاولة التي يقوم بها فريق في الاكثرية وتحديدا رئيس الحكومة سعد الحريري مع سوريا ومع بعض الحلقات المقربة من "حزب الله" في العمل على تطويق أي مضاعفات محتملة، سنية – شيعية ولبنانية – سورية في تفادي الحريق قبل ان يندلع. ولذا تحاول ايضا بعض الاوساط المقربة من الحريري تفهّم دوافعه في الانفتاح المتكرر على سوريا، فيما تتفادى دمشق عبر مسؤوليها الذين يلتقون مقربين من رئيس الوزراء تفادي الحديث المباشر عن المحكمة الدولية والتلميح اليها مواربة في احاديث جانبية خلال عرض مراحل سبقت عودة الحوار معها. فالحريري يسعى الى وأد جبهات رديفة، في حين يمكن ان يكون مقبلا مع تياره ولبنان على مرحلة شديدة الحساسية. ومن هذا المنطلق تترقب دوائر امنية لبنانية وغربية، طريقة مواكبة "حزب الله" لمرحلة التحقيقات وما بعدها وما يسبق القرار الظني. وفي اعتقادها ان ثمة وعيا ونقاشات معمقة تجري في دوائر الحزب، فنصرالله اعلن مرتين استعداده للتعاون مع المحكمة الدولية ولو طرح اسئلة حولها والحزب قدم حتى الان الى التحقيق بعض من استدعوا. ولكن الاشهر الثلاثة المقبلة ستكون الفرصة الاخيرة لكل الاستحقاقات المؤجلة، لانه عاجلا ام آجلا ستكون ثمة قرارات مصيرية على اصحاب الشأن اتخاذها.
كتبت هيام القصيفي
"النهار"




















