مقدمة :
لديّ عادة قديمة لازمتني منذ المرحلة الابتدائية وكبرت معي ولا تزال ترافقني حتى الآن أعتقد أنها جميلة . إنها عادة تلخيص أي كتاب في بضعة سطور بعد انتهائي من قراءته وتسجيل انطباعي عنه سلبا كان ام إيجابا . أمتعتني تلك التعليقات وآنست وحشتي بعد كتابتها بسنوات وكنت قارئها الوحيد , وظل الأمر كذلك حتى ظهر عصر الأنترنت ومعه الصحافة الالكترونية المختلفة عن الصحافة الورقية – على الأٌقل من حيث الرقابة والواسطة والمحسوبيات اللازمة للنشر في الصحف الورقية – رحبّتْ الصحافة الالكترونية بكتاباتي وانطباعاتي لكن بعضها أحبطني . على سبيل المثال أرسل الي طبيب أعصاب إحدى كتبه طالبا التعليق عليه , لم يعجبه تعليقي فهجاني قائلا : انني لا أميز بين الملح والسكر فأضع الملح على الشاي بدلا من السكر . كثيرون غيره انهالوا عليّ لوماً وتقريعاً جلهم من مدرسة الواقعية الاشتراكية ببطلها الايجابي ومسحتها التفاؤلية وحتميتها التاريخية ( هذه المدرسة لها فضل عليّ حسب قولهم وأنا ناكر الجميل ) .
عندما أرسل لي الصديق ابو محمد مجموعته خِفْتُ ان يحصل لي ما حصل مع طبيب الأعصاب , فكتبت انطباعي عن المجموعة وأنا أضع يدي على قلبي ونشرته تحت عنوان
– عبد الحفيظ حافظ في مجموعته القصصية أديب أم سياسي ؟ – لكن المفاجأة أتتني بإرساله أربع مجموعات قصصية كُتبِتْ قبلها مع إعرابه عن سروره بالنقد كما سماه . أنا اعرف أن الصديق ابو محمد يحترم الرأي الآخر في السياسة , وهي ميزة قليلة بالنسبة لأترابه من قياديي الأحزاب القومية , لكن ان يتحلى بنفس الروح أدبيا أيضا فذلك شيء جميل ونادر في محيطنا السوري , وهو ما شجعني على قراءة هذه المجموعات والتعليق عليها بالطريقة التي كنت اكتب فيها سابقا وكان أحدا لن يقرأها غيري .
……………………………………………………..
بين يدي خمس مجموعات قصصية للأستاذ عبد الحفيظ
1- العيد – طبعة أولى عام 1999منشورات دار حوران .
2- المنديل الأسود—عام 2000——- دار التنوير.
3- شجرة الأكاسيا—عام 2002—— دار التنوير .
4- الجدار ——- عام 2007 —– مكتبة اسيل .
5- البائعة المتجولة —عام 2009 —– دار الذاكرة .
يعرِّف ابو محمد لنا القصة القصيرة على الشكل التالي ( القصة القصيرة وجدتها ومضة , طرفة, فكرة تمر بخاطر الكاتب لحظة معاناة من حياته تعصف به , فينقلها الى الورق , فترى النور 0 (شجرة الأكاسيا ص67) .
سأصنف قصص الأستاذ ضمن مجموعتين وليس خمسة مجموعات على طريقتي في التصنيف .
1- المجموعة الأولى قبل ان تشده السياسة اليها حسب وصفه – العيد – المنديل الأسود – شجرة الأكاسيا .
2- المجموعة الثانية بعد ان شدته السياسة اليها – الجدار- البائعة المتجولة .
قدّم لنا الأستاذ في المجموعة الأولى قصصا متنوعة وغنية تنبض بالحب والحنان مستوحاة من حياته داخل مدينة حمص تجسد معاناة أبنائها وهمومهم وتطلعاتهم الاجتماعية والسياسية والتحررية سواء كانوا ذكوراً أم إناثا , صغارا ام كبارا , فقراء ام أغنياء , وعناوين تلك القصص خير شاهد على ذلك – الذباب , بطاقة اليانصيب , المقبرة , رسالة من متوفي , الغريب , الشال , تموز , ساحة الشهداء , البويجي , خطبة الجمعة – كلها ومضات تحمل دلالات عميقة وبقالب فني جميل . أضعفها الى حد ما تأثر الأستاذ الحافظ بتراثنا العربي القديم وما يحوي من شعر يعج بالحكم والوصايا والنظرات الفلسفية .
– ليست التقاليد على هذه الصورة القاتمة يا سيدتي, انها كالفطور منها ما هو مفيد ومنها ما هو سام , علينا نحن ان نميز الصالح لعصرنا ونهمل السام المعيق لحياتنا , دعينا نسمي التقاليد : السلوك : – ( العيد – ص 52) .
– الحب اكسير الحياة –
– الرسام حر بان يختار ما يشاء من المدارس الفنية لكنه لا يستطيع ان يجمع في لوحة واحدة الانطباعية والسريالية والكلاسيكية والتجريد _
– على الأفكار أن تغير شروط الناس- ( المنديل الأسود ص 12 )
– الفقر مرض تظهر أعراضه ببثور الجوع , بأسواق تشاد في الساحات وخلف الأبواب المغلقة , تُعرَض فيها الأشياء والأجساد والقيم – ( شجرة الأكاسيا ص 15 )
ربما كانت الرواية بفضائها الدرامي وشخصياتها المتعددة قادرة على ان تقدم هذه الِحكَم على لسان أبطالها , لكن القصة القصيرة كونها ومضة كما وصفها الكاتب لا يتحمل بناؤها الدرامي تقديم مثل تلك المقولات على لسان شخوصها . بكل الأحوال انا لا أفضل قول تلك الحكم لا في القصة ولا في الرواية , المفروض أن يقدمها الكاتب بقالب فني آخر تجعل القارئ يستخلصها منه .
هذا ما فعله الأستاذ عبد الله عبد – رحمه الله – في قصصه عن مدينته اللاذقية والتي أحب فقراءها حبا لا يقل عن حب الحافظ لفقراء حمص . كتب عبد الله عبد قصة قصيرة بعنوان – موجز عن حياة موظف صغير اسمه صابر – بطل القصة لم يستطع ان يوفي عهده لأطفاله بتقديم فراريج مشوية لهم ولو مرة في الشهر رغم كل محاولاته الاقتصاد في رواتبه طيلة أشهر , وعندما ألحَّوا عليه رسم لهم فراريج مشوية وقدّمها على الورق داخل صينية ظهيرة إحدى الأيام .
الى جانب الحكم , اعتمد الأستاذ في حبكة بعض القصص على الصدفة وهي حيلة فنية تضعف القصة مثل ما جرى مع قصة – نهاد في النظارة – سميح طالب ذهب والداه بحادث سير…. منذ اسبوعين صدمته سيارة (شجرة الأكاسيا ص 39 ) .
على ما اعتقد موضوع القمع في بلادي يمكن تقديم نماذج حية عنه من دون اللجوء الى حوادث السير كصدف تكمل بناء القصة الدرامي .
هذا ما فعله محمد كامل الخطيب في قصته رتيبة المستوحاة من قريته الطرطوسية : الملاجة : تزوجت رتيبة ممن تحب في القرية وكان زوجها داخل الفراش فحلا معها , ولكنه تركها بعد أشهر مع أهله وذهب لخدمة العلم , وفي أول إجازة له عجز ان يكون كالسابق معها في الفراش والسبب حسب مونولوج القصة هو ارتخاء عضوه التناسلي المنتصب كلما أشرعت رجليها الى الأعلى استعدادا لاحتوائه , لأن ذلك يذكره بأرجل الجنود المشرعة للهواء استعدادا للفلقة داخل الثكنة .
أعجبتني قصة المنديل الأسود , ولكنها عالجت مواضيع كثيرة الى جانب موضوع الغيرة وهنا أحب ان اقدم للصديق حكاية قصة كتبها كاتب أمريكي مغمور أوائل الثلاثينات من القرن المنصرم تعالج موضوع الغيرة تحت عنوان – الحسناء ام النمر ؟ – تقول حكاية القصة : كان هناك ملك زمان مولع بتقدم مواطنيه المسيئين داخل المملكة الى محكمة تحوي بابين أحدهما يخفي خلفه حسناء والآخر نمر , وعليه ان يختار , فإذا اختار باب الحسناء خرج من المحكمة داخل عرس , واذا اختار باب النمر خرجت جنازته من الباب الثاني .
أحبت ابنته كبير موظفي القصر وتناهى الخبر لأبيها أخيرا فجاء بالعريس الى قاعة المحكمة من اجل محاكمته وجلس هو وابنته في الصف الأول من القاعة . تقدّم العريس بخطى ثابتة نحو المنصة متطلعا الى عروسته التي تعرف ما وراء البابين وتكفي إشارة بسيطة من عينيها .
أنهى الكاتب القصة كما يلي
عزيزي القارئ برأيك أي باب تختار له حبيبته ؟
اما الأيديولوجيا فقد كان لها نصب كبير داخل القصص وهذا شيء مفهوم لدى أديب يعد نفسه ملتزما في بلادنا . بهذا الخصوص لم ترق لي قصة – البويجي – وكنت وما زلت ضد الكتاب الملتزمين الذين يقدمون لنا في قصصهم شخصيات من حثالة المجتمع كل واحدة منها تمثل البطل الايجابي في حكاية القصة . هذا ما فعله الأديب السوري حنا مينة في كل رواياته على سبيل المثال لا الحصر رواية – الشمس في يوم غائم – التي تم اخراجها كفيلم نموذجي من أفلام مدرسة الواقعية الاشتراكية – بطلة القصة ( منى واصف ) عاهرة تدق الحديد حتى يصبح حاميا , و انا باعتقادي ان العاهرة مثلها مثل الشحاذ في المجتمع لا تصلح لأن تكون شخصية ايجابية وفي مقدمة المناضلين من أجل الثورة .
يصح هذا الكلام على قصة البويجي . غير مقنع لي تحول الحلاق الذي قتل ضابطا فرنسيا الى مهنة البويجي بعد خروجه من السجن . لو اختار له أبو محمد أي مهنة أخرى لكان ذلك أكثر إقناعا , اما ان يمتهن هذه المهنة ويظل يحمل كل الصفات النبيلة وكل قيم الخير والتضحية من اجل الآخرين فذلك غبر مقنع لي بتاتا .
جاءت قصص المجموعة الثانية بعد ان أخذت السياسة الكاتب من الأدب وشدته اليها (حسب تعبيره ) ولكنها لم تستطع ان تنسيه القصة القصيرة مما جعله يقدم لنا قصصا قصيرة معجونة بالسياسة , والأعمال القصصية ذات الطابع السياسي من أصعب الأعمال الفنية , وتحتاج الى موهبة خارقة واحتراف تام للأدب من قبل الكاتب , حينئذ يمكن ان يقدم لنا رواية سياسية ناجحة , لكن القصة القصيرة كونها ومضة كما وصفها الأستاذ عبد الحفيظ لا تصلح لهذا الفن الرفيع , واذا أصر الكاتب على إدخال السياسة في القصة القصيرة أفسدتها وطغى المضون على الشكل فيها كما حصل مع أديبنا .
ان قصص أبو محمد الجديدة تعج بالمقولات السياسية بدلا من الحكم القديمة .
– هددت القمة العربية اسرائيل اذا استمرت في عدوانها على شعب فلسطين , ثم أوصت بوقف التطبيع معها حتى تعود الى طاولة المفاوضات – ( الجدار ص 83 )
– أعتقد ان جذر هزيمة المجتمع العربي أمام أنظمتنا البائسة والمهترئة وهزيمتنا أمام الخارج الأمريكي والصهيوني …. – (لجدار ص 85 )
– لقد حلت قوات الاحتلال والمليشيات وأحزاب العمائم محل حزب السلطة ورجالها .
(البائعة المتجولة ص 11 )
كيف ينام الضمير العالمي عندما تبدأ إسرائيل مجازرها في فلسطين ؟ ( البائعة المتجولة ص 91 ) .
خير شاهد على إفساد السياسة للقصة هي قصة ( ثورة الشك ) الواردة في مجموعة الجدار ص 77
تبدأ القصة هكذا .
التقينا على الطريق , استراحت عيناي في وجهها الجميل . أما هي فقد توقفت عند شاربيه اللذين خالطهما الشيب .
اللقاء بين حبيبين عاشقين من فلسطين جرى بعد ثلاثين عاما نتيحة تفريق الاحتلال لحبهما , ولكن كل ما تلا ذلك من مونولوج للقصة مشحون بالعبارات سياسية لا يضيف شيئا . على العكس افسد القصة بالكامل
– جندي اسرائيلي يقتل طفلة في الشهر الرابع من عمرها .
– شاب فلسطيني يفجر نفسه في محطة للركاب في ضواحي حيفا .
– منذ اغتصاب فلسطين والعرب المقيمون فيها يعيشون غرباء في وطنهم .
– الرئيس الأمريكي بوش يقول : لن نستطيع أن نمارس مسؤوليتنا في الشرق الوسط الا اذا توقفت موجة العنف والإرهاب التي يمارسها الفلسطينيون .
لم تعد القصة ومضة كما كانت بل أصبحت تعالج موضوعا سياسيا كاملا بامتياز مثل قصة البائعة المتجولة التي عالجت موضوع احتلال العراق وقصة حلم الذي عالجت القضية الفلسطينية من ألفها الى يائها بما فيها الانشقاق الحالي بين فتح وحماس .
الأنكى من هذا ان تضم مجمعة قصصية بين دفتيها ثلاثة أعمال لا علاقة لها بالقصة القصيرة وهي
1- سيرة ذاتية غير مكتملة : ومع إعجابي وحبي الشديد للسيرة القصية الذاتية والتي تعتبر عندي من ارفع أنواع الأدب و وأنا عاشق لهذا الفن . الا ان أي سيرة ذاتية لا يمكن ان تصنف ضمن القصة القصيرة .
2- من قتل هدى ابو عسلي ؟ هذه ليست قصة قصيرة انها مقالة أو رثاء أو خطاب سياسي على ما أعتقد .
3- قراءة قصصية .
كيف سمح لنفسه الكاتب ان يدرج تلك الأعمال ضمن مجوعة قصصية !! . اعتقد ان السبب يكمن في سرقة السياسة له من الأدب .
خاتمة :
يحدثنا الأستاذ عبد الحفيظ في سيرته الذاتية غير المكتملة عن شغفه بالأدب عموما والقصة القصيرة خصوصا . وهو وان كانت السياسة قد شدته اليها وأخذته من الأدب لا زال يحلم بكتابة قصة تسهم هي الأخرى في استحضار مشروع نهضوي جديد (الجدار ص16 ) .
نحن مختلفان في المنهج يا صديقي أبو محمد ولكن الاختلاف لن يفسد للود قضية بيننا .
القصة ليس من مهامها المساهمة في استحضار مشروع نهضوي . من مهام القصة تنمية الحس والذوق والوعي عند الانسان . وان كنت تطمح الى مجموعة قصصية نوعية فعليك عندما تكتب القصة أن تنسى السياسة, عندها ستأتي قصصك استمرارا للمجموعات الأولى وستكون أجود على ما اعتقد .
أخيرا لا بد من شكر الصديق الغالي عز الدين حسن الذي ساعدني وشجعني على كتابة هذه السطور .
كامل عباس – اللاذقية




















