يدخل لبنان اختبارات كثيرة خلال المرحلة المقبلة، تتنازعه فيها القوى الكبرى الدولية، والقوى الإقليمية، التي لها دور محوري في المنطقة، من زاوية تأثيرها في أوضاعه الداخلية واستقراره وحياته اليومية مباشرة وغير مباشرة، فيما تتجاذب المنطقة موجة من التصعيد والمخاوف من الحروب والضغوط، مقابل موجة أخرى من التفاوض وجهود التهدئة وضبط النفس، فلا يمر يوم من دون أن يكون في قلب هذه الموجات المتعاقبة، تتلاطمه وتستنفر حكامه، كي يحسنوا احتساب مواقفهم بدقة لتجنب الآثار السلبية لهذه الموجات على أرضه.
وعلى رغم إجماع القوى الخارجية المعنية بلبنان على ان خيار الحرب التي قُرعت طبولها في الأشهر القليلة الماضية تراجع وجرى على الأقل تأخير هذه الحرب للسنة الراهنة، فإن بعض المراجع الدولية التي تقر بهذا الاستنتاج لا تزال قلقة من ان أسباب الحرب ما زالت قائمة، وبالتالي فإن أي حادث غير محسوب قد يطلق العنان للآلة الحربية من حيث لا يمكن توقعه. ومع ذلك فإن الواقعية تقتضي القول إنه في ظل وجود قرار حازم بالحؤول دون الحرب، ولا سيما لدى الولايات المتحدة الأميركية، فإن قراراً كهذا كفيل باحتواء أي حادث غير محسوب، وبالحؤول دون إقدام إسرائيل على إطلاق العنان لآلتها الحربية، طالما أن أسباب عدم حصول الحرب ما زالت قائمة هي الأخرى. وإذا كانت أسباب الحرب هي توجيه ضربة لـ «حزب الله» لإضعاف إحدى أذرع إيران الإقليمية لتليين موقفها التفاوضي، ورد الاعتبار للجيش الإسرائيلي بعد فشله عام 2006 وتوجيه ضربة قوية للاقتصاد اللبناني الذي يغيظ انتعاشه الدولة العبرية ولبناه التحتية… الخ، فإن أسباب عدم قيام الحرب ما زالت ايضاً تكمن في أن واشنطن تعطي الأولوية للعقوبات على استخدام القوة، وترجيح كفة استئناف المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين الذي تنسفه الحرب، وأخيراً أن لا ضمانة لأن الحرب ستنجح في إضعاف الذراع الإيرانية بل قد تقويها بعد تحطيم بنى الدولة اللبنانية.
في الانتظار، يبدو ان اللبنانيين محكومون بالتعايش مع متناقضات القضايا الكبرى والساخنة التي تتحكم بمصائرهم. فهم يميلون الى تأييد المنحى التفاوضي الذي أطلقه الاتفاق البرازيلي – التركي – الإيراني على تبادل اليورانيوم المخصب بدرجة أعلى على الأرض التركية، كما قال رئيس الجمهورية ميشال سليمان، بالمقارنة مع مشروع العقوبات الذي اتفقت الدول الست الكبرى على تقديمه الى مجلس الأمن. وهو بهذا الموقف يمهّد، إذا لقي المشروع قبولاً من أكثرية أعضاء المجلس، للامتناع عن التصويت عليه، في وقت تريد منه إيران وحلفاؤها على أرضه ان يقف ضده من منبر رئاسته لمجلس الأمن، ويسعون الى تنفيذ هجوم سياسي على علاقة مؤسسات الدولة اللبنانية بالجانب الأميركي يخالف حاجة لبنان الى هذه العلاقة، ويناقض اعتداد إيران وهؤلاء الحلفاء بأن على أميركا ان تفاوضهم على «الاشتراك في حكم العالم».
وبينما جهد رئيس الحكومة سعد الحريري في الأشهر القليلة الماضية للعمل على بناء الثقة مع سورية ونفى عنها وعن لبنان الاتهامات الإسرائيلية حول تمريرها صواريخ «سكود» لـ «حزب الله» حين تصاعدت الحملة ضدها رداً على قمة دمشق بين سورية وإيران والأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله، فإن المسؤولين السوريين تركوا لحلفائهم في لبنان ان يغمزوا من قناة رئيس الحكومة لمجرد الإعلان عن نيته زيارة واشنطن في سياق تحركه تحت عنوان حماية لبنان، ولم يحسموا الأمر إلا بعد ان تنبهوا الى ان ما يقوله الحريري هو في النتيجة دفاع عن سورية بقدر ما هو دفاع عن لبنان. وهو أسلوب ينم عن شكوك بالموقف الفعلي للمسؤولين اللبنانيين، يناقض الشعور بالقوة الذي تعتد به دمشق هذه الأيام، حيال الغرب وأميركا وحيال موقعها اللبناني بعد تصالح فريق واسع من اللبنانيين معها.
وفيما تستعد واشنطن لتفهم موقف لبنان إزاء الملف النووي الإيراني في مجلس الأمن، وتميل الى التشدد معه في شأن الموقف من تسلّح «حزب الله» الذي يخالف القرار 1701، مراعاة لإسرائيل، فإنها لا تجد حرجاً في الامتناع عن أي ضغط على الأخيرة كي يتم الانتقال من حالة وقف الأعمال العدائية الى وقف إطلاق النار الشامل، وإلى الكف عن عشرات آلاف الخروق الإسرائيلية لسماء لبنان، وإلى نقل مزارع شبعا الى سلطة الأمم المتحدة والانسحاب من الجزء اللبناني من قرية الغجر وتسليم ما تبقى من خرائط الألغام والقنابل العنقودية… وفق ما ينص عليه القرار 1701، لا سيما ان كل هذه الخطوات لا تمس أمن اسرائيل الذي تعطيه واشنطن الأولوية.
"الحياة"




















