بعيد سقوط الثورة البرتقالية في اوكرانيا، حيث تمكنت المعارضة الاوكرانية من الاطاحة بالرئيس بالوسائل الدستورية، وذلك من خلال فوز مرشحها في انتخابات رئاسة الدولة التي جرت بتاريخ 7/2/2010، سقطت في عيدها الخامس ثورة النرجس في قيرقيزيا، بعدما تمكنت المعارضة من الاطاحة بالرئيس كورمان بك باكييف،اثر الانقلاب الدموي مطلع شهر نيسان 2010.
نجاح المعارضة في انتخابات الرئاسة الاوكرانية، وثم الانقلاب على السلطة في قيرقيزيا، وما يسجل من اتصالات بين موسكو والمعارضة في جورجيا، دفعا بمنطقة الاتحاد السوفيتي السابقة، واسيا الوسطى خصيصا، الى الواجهة من جديد، الامر الذي أثار التساؤلات حول العوامل الداخلية والخارجية للتحولات الحاصلة، ومدى ارتباطها بالتحول في علاقات الاطراف الاقليمية والدولية فيما بينها خاصة روسيا وأميركا.
على الصعيد الداخلي، تجدر الاشارة الى ان الجمهوريات الاسيوية السابقة تحولت اثر انهيار الاتحاد السوفيتي الى ما يشبه الامارات الاقطاعية ذات النموذج الشرقي،التي تميزت بسيطرة المجموعات الاقطاعية على كافة نواحي الحياة فيها، لا سيما الناحية الاقتصادية، وحيث ان السياسات الداخلية فيها تحددها العلاقات القبلية بين تلك المجموعات وليس المؤسسات الدستورية كالحكومة او البرلمان. وبالرغم من المحاولات الرامية لاسباغ الطابع السياسي والديموقراطي على الصراع الداخلي، فإن الطابع القبلي ما زال غالبا على الصراعات الداخلية التي نشبت في قيرقيزيا في الاعوام 2004 و 2005 و 2006 وحتى 2010 بين قبائل الجنوب والشمال. ان سيطرة النظام الاقطاعي القبلي على مفاصل الحياة في قيرقيزيا منذ الاستقلال حتى اليوم، أعاق قيام المؤسسات الدستورية بمهامها، ما ادى الى تدهور الاقتصاد وتراجع في مستوى المعيشة، بسبب انتشار الفساد في ادارات الدولة، التي استخدمته لتوزيع المغانم على الاقارب والموالين، الامر الذي أفسح في المجال امام الاطراف الخارجية للتدخل في الشؤون الداخلية، وإثارة الاضطرابات وفقا لمصالحها، من خلال اللعب على التناقضات بين مكونات المجتمع القبلي.
الاهتمام الدولي والاقليمي بما يحصل في قيرقيزيا خاصة ودول اسيا الوسطى بعامة ينبع من الاهمية الاستراتيجية للموقع الجغرافي الذي تحتله تلك الدول، فهي تمثل نقطة تقاطع لأكثر من خط توتر دولي: اولا فهي تقع بين الجزئين الشرقي والجنوبي للقارة الاوراسية، اللتين ترتبطان بالعديد من المشاكل الدولية كالارهاب، والاسلام الاصولي، والمخدرات، والقومية الشوفينية.
ثانيا، في تلك المنطقة وخاصة قرقيزيا تتقاطع مصالح الاطراف الدولية الكبرى كالصين وأميركا وروسيا. فهي الدولة الوحيدة التي تتعايش على ارضها بسلام لغاية الان قواعد عسكرية لكل من أميركا وروسيا، فبالاضافة الى كونها قاعدة انطلاق للتوسع الأميركي في دول اسيا الوسطى، فإنها تشكل الممر الحيوي بالنسبة الى الحملة العسكرية الأميركية على افغانستان، ومرشحة بأن تلعب دوراً استراتيجياً اكثر اهمية في حال توسعت دائرة الحرب الى باكستان، او نشوب نزاع عسكري مع ايران. اما بالنسبة الى الصين فهي من جهة مصدر اساسي للمواد الاولية، وسوق للصادرات الصينية.
ثالثا، تعتبر دول اسيا الوسطى خزانا مستقبليا للطاقة، خاصة اذا ما شهدت منطقة الخليج العربي تطورات دراماتيكية بشأن الملف النووي الايراني، كما ويتوقع لها ان تلعب دوراً اساسيا في النمو الاقتصادي العالمي في القرن الحادي والعشرين.
رابعا، ما تتميز به تلك المنطقة من ضعف دولها من باكستان الى توركمانستان مروراً بأفغانستان وقيرقيزيا، وطاجيكستان، وأوزباكستان.
ان ما تشهده دول الاتحاد السوفيتي السابق من اعادة بسط نفوذ روسي فيها يعكس التحول في علاقة روسيا مع الاطراف الدولية الاخرى لا سيما أميركا. اذ ان التفاهم غير المكتوب الذي توصل اليه الرئيسان بوش وبوتين عقب احداث 11/9/2001، والذي تقدم بموجبه الدول المشاركة كل التسهيلات، في حين تتحمل واشنطن الاعباء العسكرية في حربها على الارهاب، فقد فعاليته. فانطلاقاً من وجهة النظر الروسية فإن أميركا لم تراعِ مصلحة روسيا في هذا الاتفاق، الذي فتح ابواب اسيا الوسطى امام التواجد العسكري الأميركي، واستغلته للسيطرة على منطقة نفوذ روسيا الحيوية، من خلال دعمها وتأييدها لما عرف حينها بالثورات الملونة خاصة في اوكرانيا وجورجيا وقرقيزيا.
في الوقت الراهن، حيث من الواضح ان أميركا بدأت بالتراجع عن موقعها القيادي العالمي، ليس فقط بسبب ظهور منافسين جدد كالصين وروسيا. فكما يبدو فإنها لن تخرج من الازمة الاقتصادية اكثر قوة من ذي قبل، ناهيك عن الفشل العسكري في افغانستان والعراق، ما جعلها تفقد جاذبيتها ان كان على الصعيد الايديولوجي،او الاقتصادي وحتى العسكري.
في المقابل، فإن روسيا بعد ان استطاعت ان تجمع ما تبقى من قدرات الاتحاد السوفيتي السابق وإمكانياته وموارده الطبيعية الضخمة، نجحت في تثبيت موقعها على الساحة الدولية. الامر الذي اعتبره المراقبون خروجا نهائيا لروسيا من عصر الحرب الباردة وآثارها الكارثية عليها، وقاعدة انطلاق نحو عالم جديد، عالم ما بعد العصر الأميركي.
"المستقبل"




















