في الذكرى العاشرة لتحرير الجنوب اللبناني تحولت المعالم التي كانت مواقع المواجهة بين المقاومة وجيش الاحتلال الى مواقع للسياحة و «البيك نيك». «سياحة جهادية» يدعو اليها «حزب الله» اللبنانيين، من مختلف الاتجاهات السياسية والانتماءات الطائفية. رحلات الى اماكن تواجد مقاتلي الحزب مع اسلحتهم (خارج منطقة عمل الجيش والقوات الدولية) لا تكلّف اكثر من 40 الف ليرة لبنانية (حوالى 26 دولاراً) لـ «السائح» الواحد، على متن باصات «بولمان» مكيفة، تجوب المناطق الحدودية ويسمع خلالها الزوار شرحاً لتاريخ المعارك الماضية وللتجهيزات والاستعدادات الحالية للمقاتلين. فعلى رغم الجاهزية العسكرية التي يعلن «حزب الله» باستمرار انه يحافظ عليها، بحجة ان احتمال عدوان اسرائيلي جديد هو احتمال قائم في اي وقت، فإن الشعور في الجنوب وفي صفوف المقاومة ان سنوات الحرب الطويلة قد انقضت، وأن الزمن الآن هو للاحتفاء بالذكرى، وللتجول فوق اطلال المعارك وما بقي من اجساد الدبابات الاسرائيلية الصدئة.
هكذا كان الاحتفال بالعيد هو عنوان نهار امس في لبنان. احتفال أخذ طابعاً وطنياً بإعلانه يوم عطلة رسمياً. ولا أستبعد أن يكون هناك سباق بعد اليوم بين 25 ايار (مايو) و22 تشرين الثاني (نوفمبر)، التاريخ الرسمي الذي اعتاد اللبنانيون أن يحتفلوا فيه بذكرى استقلال بلدهم. لا لسبب الا لأن المقاومة، وعلى لسان الامين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله، تعتبر أن هناك قراءات مختلفة، ومتناقضة في معظم الاحيان، للتاريخ اللبناني القديم، تبعاً لهويات قارئي هذا التاريخ ولانتماءاتهم الطائفية، ما يمكن ان تنتج عنه ايضاً قراءات مختلفة لحقيقة استقلال العام 1943، وما اذا كان الاسم ينطبق على المسمّى. غير ان هناك، في نظر نصرالله، قراءة واحدة للتاريخ الحديث المتمثل بالمقاومة والتحرير لا يختلف عليها، برأيه، اثنان.
لا شك في ان هذا الزمن ليس زمن كتابة تاريخ 25 ايار ولا زمن كتابة تاريخ ما تبعه من مواجهات لبنانية – اسرائيلية، وعلى الاخص منها حرب تموز (يوليو) 2006. فالتاريخ لا يكتب عادة تحت وطأة الاسلحة والانتصارات، إذا أن مثل هذه الكتابة لا تترك هوامش واسعة للجدل والنقاش، وبالتأكيد لا تبقي مساحة لأي استنتاج مختلف الرؤية او الاتجاه.
غير ان الأكيد ان 25 ايار حقق نقلة نوعية مهمة لـ «حزب الله» في الجنوب وفي الداخل اللبناني لم تكن له من قبل. فتحت وطأة الانتصار والتحرير، خفتت الاصوات التي اتيح لها ان تناقش أثر ذلك الانتصار على الوضع الداخلي وعلى التركيبة السياسية. تماماً كما خفتت الاصوات التي اتيح لها ان تناقش ابعاد «النصر الالهي» عام 2006 وما استتبعه من ترتيبات على الحدود اللبنانية – الاسرائيلية، الأهم منها ما يفرضه القرار الدولي 1701، وهي الترتيبات التي أدت من بين ما ادت اليه، الى تحول تلك الحدود الى مساحة مفتوحة للسياحة، من غير اي تخوف او حذر، سياحة يفاخر بها «حزب الله» ويطلق عليها عبارة «سياحة التزريك» (التي تعني لمن ليس خبيراً باللهجة اللبنانية: سياحة اللعب على اعصاب اسرائيل).
كل هذا يجري فيما اسرائيل تنفذ مناوراتها خلف الحدود في مناسبة الذكرى نفسها. مناورات يقال ان الهدف منها هو الافادة من درس الهزيمة السابقة، والعمل على تجنبها في المواجهات المقبلة. قد يعني هذا ان الجنوب ولبنان موعودان بمثل هذه المواجهات، كما يمكن ان يعني ان السياحة الداخلية التي شكلت جزءاً من الاحتفال بذكرى تحرير الجنوب يمكن ان تتحول الى علامة جديدة في حياة الجنوبيين، تشير الى البناء والعمران والرغبة في الحياة، وأن المناورات الاسرائيلية هي رسالة الى الداخل الاسرائيلي اكثر مما هي تنكيد على «سياحة التزريك» اللبنانية.
"الحياة"




















