ليست بعيدة كثيراً نشأة حقوق الإنسان، ففي عام 1948 صدر عن الأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان،ومع أن البعض يعيده إلى صدر الإسلام – كثرٌ من يتحفظ على هذا القول – وما كان يحمل من أفكار تعتبر ثورة آنذاك على التقاليد والأعراف الاجتماعية، حطت من قدر الإنسان، كانت بداية لوضع أسس حماية الإنسان وصون حقوقه.
وقد أخذت معظم الدساتير العربية بهذا الإعلان إذ أن الدستور الدائم في سوريا والصادر عام 1973 – الذي من المفترض أن يكون معمولاً به للآن – قد أفرد باباً خاصاً لحقوق الإنسان في المادة 25 منه وما بعدها،حيث أقر باحترام عقيدة الفرد وحريته وحمايته،وعدم المساس بخصوصيته.
في العقدين الأخيرين من القرن المنصرم بدأت تتشكل جمعيات نذرت نفسها – كما تدعي – للدفاع عن حقوق الإنسان، كان مؤسسو هذه الجمعيات في الغالب من أصحاب الرأي الآخر، ومنهم من دفع سنوات من عمره في المعتقلات بسبب الرأي أو الانتماء لتنظيمات وجمعيات سياسية سرية "محظورة".
وحمل هؤلاء الفاتحون شعارات الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات إلا أننا نجد اليوم في الساحة السورية عشرات الجمعيات نتيجة الانقسامات، إذ طالتها أمراض الأحزاب السياسية المعارضة التي كانت حاضرة بشكل واضح في تلك الجمعيات من خلال وجود قياديين من أحزاب معارضة في قياداتها ومنهم من كان من مؤسسيها.
وقد أسبغ كل مؤسس أو منشق لهذه الجمعية أو تلك ما يدين به من فكر على الجمعية التي أسسها أو انشق بها،وبات الإنسان وكأنه أمام تنظيمات سياسية.
فحملت الجمعيات أسماء عدة وصفات مختلفة منها ما هو مستند على الفكر الماركسي،الديني،القومي أو العرقي، وكانت هذه الصفات توشح بشعارات هذه الجمعيات وتعرف بها، ولم يعد الإنسان الهم الأول لهذه الجمعيات، ونسيت أو تناست بأن حقوق الإنسان ليست مسألة خاصة بعرق أو قومية أو دين، وإلا كنا أمام نظرية عرقية أخرى وأمام شعبٍ من الله مختار يدافع عنه هذا الفصيل أو ذاك،فلا معنى ولا جدوى من تفصيل أو تمييز حقوق شعب عن آخر أو ملة عن سواها.
الإنسان أرقى ما في الوجود وهو الغاية الواجب على هذه الجمعيات الدفاع عنه دونما تمييز.
أقول هنا -وبكل أسف – إن هذه الجمعيات التي ادعت أنها للدفاع عن حقوق الإنسان في بلدنا بعيدة كل البعد عن ذلك، إذ تغيب عنها الموضوعية والحيادية والمهنية في العمل، فنجد المنظمات "العربية" على اختلاف مسمياتها لا تُعنى إلا بالشأن العربي، وكذا الحال بالنسبة للمنظمات "الكردية" فلا تجد أي عُسفٍ تجاه أحد إلا الكرد وبوصلة عملها هذا أو ذاك.
ما يزيد الطين "بلة" هو انتقال أمراض الأحزاب – كما أسلفنا – إلى هذه المنظمات التي باتت لا تحتج على اضطهاد الآخر المنتمي إلى نسق مختلف عن فكر هذه الجمعية أو تلك التي لاقت القمع والاضطهاد من قبل السلطات أو الأعراف والتقاليد،وقد يصل الأمر حد التشفي بالآخر الذي مورس عليه القمع، فكل ينشد الحرية والحقوق لنفسه أو لنسقه ويضن بها على سواه،"وما هذا إلا تفتيت وتذرر للمجتمع"، وما تختلف بقمعها بشيء عن السلطات، وهذا الكلام يكاد ينسحب على الجميع، وفي هذا ليس من تجنٍ على أحد،ولنستعرض الحالات التالية:
– بالكاد تجد منظمة حقوقية تتكئ على خلفية قومية ُتعنى بغير شؤون أبناء جلدتها، وقد تصُدر بيانات خجولة عن الآخر أحياناً.
– الكثير من المواقف التي تتخذها هذه المنظمات أو إصدار بيانات أو تقارير قد تكون قبل كل شيء لاقت مباركة أو غض الطرف من السلطة التي خرقت حق فرد هنا أو هناك،لذلك نجد بياناً خجولاً هنا وصمتاً مطبقاً هناك.
مثال ذلك: صدر مؤخراً قرارٌ يقضي بإبعاد المدرسات اللواتي يرتدين "النقاب" عن سلك التعليم وتم نقلهن تعسفياً خارج ملاك وزارة التربية فلم نجد من اكترث لهذا الأمر من المنظمات الحقوقية، وقد يكون البعض تشفى بهذا القرار،فقط لأنه يحمل فكراً مغايراً، ولذلك طُردوا وحرموا من ملكوت المنظمات الحقوقية وحل عليهن الظلم مزدوجاً من الحكومة التي أصدرت القرار بحقهم والمنظمات الحقوقية التي أشاحت بوجهها عن الحدث.
هل السبب يعود إلى أن هذه "المنقبة" ليست أهلاً للعمل في سلك التعليم، سيما وأن القرار صدر بناء على مقتضيات المصلحة العامة، وحرصاً على استمرارية العملية التعليمية ونجاحها صدر هذا القرار؟؟!!
وما معنى أن تبعد هذه عن سلك التعليم، وتستمر فيه من وجدت متلبسةً بفعل فاضحٍ، مخلٍ بالآداب؟؟!!
وهل ستحل مأساة التعليم ببلدنا في اتخاذ هكذا قرار؟؟!!
وبالرغم من تحفظي على ظاهرة النقاب في مجتمعنا، لكن هي بالدرجة الأولى تندرج ضمن الحريات الشخصية،التي من الواجب احترامها، ويبقى أن تكون فردية الإنسان منقوصة ولا تكتمل إلا في ظل جماعة إنسانية تجد في الإنسان أسمى ما في الوجود.
"أخبار الشرق"




















