مرارة الحربين في افغانستان والعراق أرغمت الولايات المتحدة في "استراتيجيتها الجديدة للامن القومي" على التخلي عن "مبدأ بوش" في الحروب الاستباقية، واعتماد "مبدأ اوباما" القائم على الاعتراف بوجود مراكز نفوذ جديدة ناشئة في العالم بدلاً منه، وبأن على واشنطن ان تتعامل مع هذه القوى، لأنه لا يمكن اميركا مواصلة حروبها والتعامل مع أزمة اقتصادية في آن واحد. وهذا ما أوجد ميلاً لدى الادارة الاميركية الحالية الى هجر الكثير من الخطاب الذي رفعت لواءه الادارة السابقة.
ولا يتخلى اوباما في الاستراتيجية الجديدة عما يعتبره حق اميركا في قيادة العالم. بيد انه يحاول ان يحافظ على هذه القيادة بطريقة مختلفة عن جورج بوش كي يتجنب الوقوع في ما وقع فيه سلفه لا سيما الحرب على العراق. فقد أوقع التفرد هنا الولايات المتحدة في المستنقع. ولذلك يحاول اوباما الان اعتبار ان حرب العراق باتت وراءه فيما يسعى الى ان يخوض حرب افغانستان بطريقة تتطابق مع ما نصت عليه استراتيجيته للامن القومي: "ان اعباء القرن الحادي والعشرين لن تقع على اكتاف الاميركيين فحسب".
وهذ ما يجد تطبيقه العملي في سعي الادارة الاميركية الحثيث الى اقناع الشركاء في حلف شمال الاطلسي بارسال مزيد من الجنود الى افغانستان، ولكن مع التلويح في الوقت عينه بامكان التفاوض مع بعض العناصر المعتدلة من "طالبان" ثم عبر تحديد موعد لبدء الانسحاب العسكري من هذا البلد وتسليم العبء الامني الاكبر للقوات الافغانية نفسها.
ويحاول اوباما الابتعاد ايضاً قدر الامكان عن طريقة بوش في ادارة الحرب، فتخلّى مثلاً عن لازمة "الحرب على الارهاب" نظراً الى مردودها العكسي. وهو كان أكثر تحديداً في ان الحرب التي تشنها اميركا هي ضد تنظيم "القاعدة" والشبكات المتعاونة معه. والترجمة العملية لهذا التوجه تكمن في الضربات التي توجهها الطائرات الاميركية من دون طيار الى المتشددين في المناطق الباكستانية القريبة من الحدود الافغانية حيث تعتقد واشنطن ان زعماء "القاعدة" يختبئون فيها. كما ان كثيراً ما يتردد ان الطائرات الاميركية تشارك في ضربات لمن تشتبه في انتمائهم الى "القاعدة" داخل الاراضي اليمنية او الصومالية.
غير ان اعتماد اوباما على مقاربة الاعتراف بعالم متعدد القطب وعلى تغيير في مفردات وعبارات الخطاب الاميركي الذي اعتمدته الادارة السابقة، لا يكفي لمساعدة واشنطن في التغلب على التحديات التي تواجهها في حل الكثير من القضايا الدولية. واذا لم يعتمد اوباما سياسة مختلفة في التعاطي مع هذه القضايا، فإنه يعرّض نفسه للاخفاق كما يحصل الان على صعيد معالجة الصراع العربي-الاسرائيلي حيث عاد الموقف الاميركي ليقترب اكثر من الموقف الاسرائيلي بما يعني ذلك ارجاء البحث عن حل نهائي والاكتفاء بالتفاوض من اجل التفاوض.
كما ان العودة الى التشدد في الملفين الايراني والكوري الشمالي لا توحي بان الامور سائرة الى حل ديبلوماسي. واللجوء الى العقوبات هو إحدى السياسات التي كانت تنتهجها الادارة السابقة والتي لم تصل بها الا الى الطريق المسدود.
فإما ان يحصل تغيير فعلي في السياسة الاميركية بما يؤدي الى تحقيق اختراقات في حل القضايا الدولية، وإما هذه القضايا مرشحة للاستمرار والتفاقم. فنصف انعطافة لا يكفي اوباما لإحداث التغيير المرجو في العالم. واذا كان الاعتراف بأقطاب آخرين في العالم هو بداية ايجابية، فإن الاخذ بآراء هؤلاء الاقطاب هو شرط لا غنى عنه لاحداث التغيير.
ويبقى التساؤل هل ان اوباما قادر على تحويل بعض شعاراته الايجابية الى سياسة على ارض الواقع، تنسف كلياً كل احلام المحافظين الجدد بفرض القيم الاميركية على العالم كله؟
"النهار"




















