أسئلة كثيرة تواردت إلى ذهني لمناسبة انعقاد مؤتمر "العروبة والمستقبل" في دمشق على مدى خمسة أيام، في الفترة من 15 إلى 19 أيار الجاري، وطاولت مفهوم العروبة والمتغيرات التي أصابته، وما هي حالها اليوم: هل هي بخير أم أن نوازع وأهواء عديدة تتقاذفها؟ وماذا عن المنافسين الجدد لها؟ وهل العروبة واحدة أم هناك عروبات؟ وهل للعروبة مستقبل أو كيف ستكون العروبة في المستقبل؟
لا شك في أن مؤتمر دمشق شكّل مناسبة لطرح أسئلة عديدة حول العروبة والوضع العربي المأزوم والمنقسم محاور، وحول تحققات العروبة ومركباتها ومفهومها، لكن الأوراق التي قدمت طرحت العروبة بالتداخل مع مفاهيم أخرى كالأمة والقومية واللغة وسواها، وحضرت العروبة معطوفة على سواها من المفاهيم، أو ملحقة بها، كالعروبة والإيديولوجيا القومية، والعروبة والدولة، والعروبة ومسألة الحكم، والعروبة والعولمة والهوية، والعروبة والقضية الفلسطينية، والعروبة والتنوع الثقافي، والعروبة والحداثة، والعروبة والأمة والعروبة والقطر، والعروبة والأصولية.
والملاحظ هو غياب أي طرح جديد للعروبة، بالرغم من المتغيرات على مختلف المستويات والصعد، وبالرغم من اختلاف وتنوع الأزمات والارتكاسات التي أصابت العرب والعروبة والعروبيين، وعليه جرى استحضار، بل إعادة إنتاج وترداد ما قاله قسطنطين زريق وساطع الحصري وزكي الأرسوزي وسواهم من المفكرين العروبيين والقوميين، مع أن مفهوم العروبة يثير في أيامنا هذه إشكاليات وحساسيات عديدة، إضافة إلى كونه من المفاهيم الحديثة السائبة، غير المقيدة، ويختلط بمفاهيم القومية والأمة، وبالإيديولوجيا والدين وسوى ذلك. كما أن منافسين جددا وكثرا حضروا بقوة في مجتمعاتنا العربية، وباتت الولاءات ما قبل المدنية، كالمذهبية والطائفية والاثنية، هي التي تفعل فعلها بين عموم العرب، وخاصة في العراق ولبنان وسواهما.
وكان الأجدى بالمؤتمرين إجراء مراجعة نقدية للطروحات التي سادت في بلداننا العربية منذ النصف الثاني من القرن العشرين، والتي ساهمت في إيصال الوضع العربي إلى ما هو عليه في أيامنا، ونقد ممارسات الأحزاب التي اتخذت من العروبة والوحدة العربية والقومية العربية شعارات لها، والتي لم تنجز ما طرحته بالرغم من أنها وصلت إلى الحكم في أكثر من بلد عربي. فالعروبة التي رفعت رايتها خلال النصف الثاني من القرن الماضي لم تكن استيعابية، بقدر ما كانت شعاراً بلا محتوى محدد، وواقعي، بل لم تكن قادرة على تحقيق إجماع وطني حولها. والممارسات، والنهج الذي اتبع، حملت معها كل أسباب حالات التردي والانهيار والأزمات التي ألمت بالبلدان العربية. إذ كيف يمكن تصور العروبة، بصفتها دالة انتماء، وحاضنة هوية، حضارية وثقافية، وقد تحولت إيديولوجيا طاردة للمواطنة والإجماع والتعايش.
لقد كان الأمل معقوداً على عروبة مفتوحة متسامحة، تنضوي في ظلها مختلف الحساسيات والقوى والفاعليات التي تنهل من الثقافة العربية، وتلك التي عاشت وتشربت هذه الثقافة، بصرف النظر عن أصلها السلالي، وذلك كي تغدو صمام أمان وملجأ لكل الناس في البلد الواحد، ورافعة للانتماء الوطني، وقوة قادرة على الوقوف في وجه أية حساسية طائفية أو مذهبية أو عنصرية. لكن العروبة التي طرحت عنت، في أحايين كثيرة، ليس أكثر من إيديولوجيا استبعادية؛ وزّع ممثلوها تهم الرجعية والخيانة والعمالة على كلّ مختلف بالرأي والتوجه، واستبعدت كل ما هو غير عربي. ثم فعلت المقايسة الميتافيزيقية فعلها الإيديولوجي الإقصائي ليتم استبعاد جميع من هم في حكم "غير العروبيين" من العرب أنفسهم، والمحصلة لمثل هذه الممارسات كانت عروبة معزولة، منغلقة على نفسها، تبرر الممارسات الخاطئة والمجحفة بحق الناس، وتقصي جميع المختلفين مع دعاتها بالرأي أو التفكير، واقتصرت على ثلة من الشعبويين المعزولين عن الناس وعن المجال المجتمعي العربي.
كان المطلوب هو أن تستند العروبة والقومية إلى قيم ومقومات الانتماء إلى الوطن والمواطنة، أي إلى الوطن الذي يتسع للجميع، وذلك بغية تشييد دولة المواطنة، والديموقراطية، القائمة على العيش المشترك والمصير المشترك والمصالح المشتركة، والتي تتطابق فيها الهوية القومية مع الهوية الوطنية، وبشكل لا يغلب فيه الولاء للعروبة الولاء للوطن، أي أن لا تكون فيها الهوية القومية فوق – وطنية أو خارجة عن الإجماع الوطني. ووفق وطنية منفتحة، تبنى على أسس الديموقراطية والمساواة والعدالة، فإن أي ظلم يلحق بأية جماعة، أو أقلية، سيتم حلّه في نطاق الحقوق والحريات الإنسانية الأساسية.
لقد فهم القوميون "الأشاوس" العروبة فهماً قسرياً، إلحاقياً، يعتمد اللغة كأساس جوهري لانتماء الجماعة العربية، وبالتالي لم يؤقلموا مفهوم العروبة والقومية حسب التربة العربية وتعيّناتها وناسها في كل بلد عربي، بل لجأ المنظرون منهم إلى التحليق اللغوي الميتافيزيقي، الناكر للتاريخ، ولقيم المواطنة والديموقراطية والحريات، ففشلت كل الدعاوى مع فقدان الفضاء الديموقراطي والممارسة الديموقراطية. وكشف واقع الحال العربي أن الدولة القطرية في نسختها العربية الشمولية لم تبنِ دولة مواطنين، بل أكدت على وجود استثنائية عربية، حين يتعلق الأمر بالانتقال إلى الديموقراطية، وبدت الخصوصية عربية الطرح والممارسة، وعليه تأتي ضرورة تجديد طروحات العروبة والقومية والفكر القومي ديموقراطياً.
(كاتب سوري)
"النهار"




















