مثل رجل آلي يفتقر إلى الحكمة، عالق في مسار حُدد له مسبقا، هكذا بدا بنيامين نتنياهو، عند تصديه لمسألة أسطول المساعدات إلى غزة. فإعلان رئيس الحكومة نتنياهو، خلال جلسة المجلس الوزراي المصغر للشؤون الأمنية والسياسية الذي انعقد أمس الأول، أن الحصار على القطاع سيستمر وإسرائيل ستواصل استخدام القوة لمنع السفن التي تُبحر إلى هناك، يدل على أن الحماقة مستمرة وعلى أنه لم يتم استخلاص أية عبرة من الحادث الذي وقع هذا الاسبوع.
تبدو حكومة نتنياهو-باراك منغلقة أمام نتائج فشل عملية السيطرة على السفينة التركية "ما في مرمرة"، التي انتهت بمقتل تسعة مسافرين، وإدانة عالمية لأفعال إسرائيل، التي وجدت نفسها مجددا في عزلة، والأخطر من ذلك الضرر الذي ألحقته تلك العملية بالمصالح الاستراتيجية لإسرائيل.
العملية القاتلة تُثقل على الإدارة الأميركية في تجنيد أغلبية داخل مجلس الأمن لفرض عقوبات جديدة ضد إيران، وتفكك الجبهة الدولية تجاه إيران، التي بنتها الولايات المتحدة بجهد ديبلوماسي كبير جدا. فهذه العملية تفرض تحديا أمام المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين وتُضعف قدرة المساومة لدى نتنياهو تجاه براك أوباما ومحمود عباس. هذه العملية تدمر العلاقات الحيوية مع تركيا، وتُكلف إسرائيل فقدان السياحة وأعمال التصدير.
بدل اتخاذ مبادرة وبلورة استراتيجية خروج سياسية من الأزمة، يغرق نتنياهو وباراك في الوحل أكثر فأكثر. فالحكومة تؤمن كما يبدو بالدعاية التي تروجها بنفسها، والتي تفيد أن إسرائيل كانت ضحية هجوم من "ناشطي القاعدة". إذا كان الأمر كذلك، فنبغي عليها أن تُقيل فورا قادة المؤسسة العسكرية والاستخبارات، الذين لم يحذروا من ذلك في الوقت المناسب، والذين لم يستعدوا كما ينبغي لمواجهة العدو الجديد والخطر. لكن كيف ستتصرف إسرائيل تجاه السفينة الإيرلندية "راشيل كوري"، الموجودة الآن في طريقها إلى غزة؟ هل ستدعي أن حكومة إيرلندا أيضا، التي أعطت غطاء لرحلة السفينة، عضو في تنظيم القاعدة؟
بدل الإصرار على مواصلة السياسة السابقة، التي فشلت، يتعين على نتنياهو أن يصحو وأن يقلل من حجم أضرار العملية البحرية: يتعين عليه تعيين لجنة تحقيق رسمية، تحقق في ما جرى، ورفع الحصار المضر والذي لا طائل منه عن غزة، مع بلورة رد على تهريب السلاح. فالسياسة تُختبر من خلال تمييزها بين الأمور الجوهرية والهامشية. نتنياهو وباراك، اللذين أدخلا إسرائيل في صراع أحمق على الهيبة مقابل حماس وأنصارها، لقد أخطآ في اختيار طريقة العمل العنيفة والمضرة، وفشلا في الامتحان هذا الاسبوع.
(إفتتاحية "هآرتس" 3/6/2010)
"المستقبل"




















