مراجعة: حسن جابر
لقد سبق لنخب فكرية وثقافية على امتداد القرن الماضي أن رسمت العديد من المشاريع النهضوية على قواعد فكرية مختلفة، لكن هذه النخب لم تفلح في إقناع من بيده الحل والربط، فبقيت تلك المشاريع شواهد على عقم مثل تلك المحاولات، خصوصاً في أقطارنا العربية التي لم تهتدِ الى تداول السلطة المفضي الى تسلم بعض تلك النخب ناصية السلطة.
والملفت أن الدراسات والتقارير المتتالية، والتي ترصد "حال الأمة"، لم يعد لها وظيفة سوى رصد المنحنى التنازلي للواقع السياسي والاقتصادي والأمني، وقد عبّرت السطور الأولى للمقدمة عن هذا الواقع المؤلم عندما ذكرت أن "تقرير حال الأمة هذا العام (2009 2010) ونظامها الرسمي في أسوأ حال، بل لقد طال العطب بوضوح التفاعلات الشعبية بين قطاعات، لا يمكن الاستخفاف بها من أبناء الأمة".
وقد يكون الجزء الخاص بالمشهد الثقافي والفكري الذي كتبه الدكتور عمّار علي حسن هو الأكثر تعبيراً عن الواقع، فالقضايا العشر التي تضمنها البحث تنمّ عن حالتي المراوحة والخواء اللتين لم يُعرف لهما مثيل منذ ما يزيد على القرن.
فالجدل حول حوار الحضارات الذي صال فيه المثقفون وجالوا منذ صدور مقالة "هنتنغتون" في مطلع التسعينات، لا يزال يدور في حلقة مفرغة، وهو جدل بلا موضوع لأن الأمم تتفاعل في ما بينها وتتواصل وفق تموّجات موازين القوى، ولأنها كذلك لم يوفق المرشح المصري من الوصول الى مقعد مدير عام "اليونسكو" على الرغم من تبني المجموعة العربية للقضية، ومع ذلك لا يجوز إدراجها في خانة الجدل الفكري لأنها قضية سياسية بامتياز. أما النقاش الذي دار حول منح الباحث سيد القمني جائزة الدولة التقديرية في مصر فتدخل في إطار التباسات العلاقة بين المثقف والدولة والتطبيع. والموضوعات المتبقية لا تختلف عن السابقة لجهة أهميتها وشمولها وعمقها، والتي لا يجوز أن يقال عنها قضية فكرية.
والأوراق الأخرى التي تناولت مختلف الأطر الدولية والإقليمية والعلاقات العربية التركية، فضلاً عن "النظام العربي" وتطوّر الديموقراطية والمشهد الفلسطيني إضافة لأوضاع لبنان والعراق والسودان والصومال، وكُلّها ملفات لا تنضح بغير الأزمات والاستعصاءات، فعلى صعيد النظام الدولي، عالجت الورقة تأثيرات هذا النظام على القضايا العربية الرئيسية، التي يحكمها نظم ولا يشدّ قواعدها مرتكزات أو ثوابت سياسية لتكون مرجعاً يؤول إليه العرب في مراجعاتهم. وقد توقف كاتب الورقة عند الأزمة المالية وتأثيراتها والإرهاب الدولي وأمن الطاقة والتغيّر المناخي وحقوق الإنسان ليخلص الى الفشل العربي في التعامل مع المتغيرات من زاوية الحد من تأثيراتها السلبية على معظم الأقطار العربية، وللخروج من حالة الاستعصاء يقترح اتخاذ "خطوات جدية على طريق الإصلاح في الداخل العربي". أما الكيفية فيرسلها الكاتب أو يغفلها مع أنها مربط الفرس في الموضوع. أما الورقة التي تناولت النظام العربي، فإنها لم تحاول، بدواً، إيضاح المراد بالنظام، وهل هو جماع حالات الانتظام القطرية؟ أم الحالة السائدة في العلاقات البينية؟ أم ما تشكّله الجامعة العربية من إطار ينظم بعضاً من المشتركات في قالب قانوني وحقوقي؟ أسئلة قد تبدو صادمة لأنها تشي بالتباسات المصطلح الذي يجري إطلاقه ويوهم بوجود قواعد عامة تحكم العلاقات، فيما الواقع لا يعكس شيئاً منها. فما يسمى نظام عربي لا تستوي فيه النظرة الى القضايا الساخنة؛ كالقضية الفلسطينية أو أزمة دارفور والحرب في الصومال ومشكلات اليمن والعلاقات الإقليمية مع كل من تركيا وإيران فضلاً عن العلاقات الدولية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبقية دول العالم.
وما يلاحظ، هنا، أن الأوراق، في مجملها، لم تنجح في تخطّي المنهج الوصفي الى التحليلي، الذي يتيح للقارئ فهم الظواهر باعتبارها معطى طبيعي لبنية سياسية وفكرية واجتماعية سائدة، وتسمح للمهتم تقدير الموقف أو السلوك قبل حدوثه، وتخفّف عنه الصدمات التي لم يعد قادراً على استقبالها لكثافتها وتواليها، وتوجّه انتباهه الى مكامن الأعطاب والاختلالات في الأمة لتكون موضع عنايته ومصب جهوده.
إذا أخذنا العنف الديني أو المذهبي في العديد من الأقطار كالعراق ومصر والجزائر واتفاق حدوثها في الأقطار العربية بصورة لافتة، ألا تستحق عناية زائدة للوقوف على المناخات العامة التي أنتجتها، وعلاقة تلك المناخات بالمأزق العام الذي تعيش الأجيال في أتونه؟ أما النقد الذي وجهه كاتب ورقة "التطور الديموقراطي"، فحصره "بسوء إدارة أزمات العنف الديني"، ولم يشِر، من قريب أو بعيد، الى العوامل التي أدّت الى استشراء هذه الظاهرة وتفاقمها! ويبقى السؤال عن وظيفة النخبة التي تراقب مسرح الأحداث، فهل هو مقتصر على تسجيل الوقائع والأحداث فحسب؟ أم أن الوظيفة تتعدى ذلك الى دراسة البُنى المنتجة لمثل تلك الظواهر؟
[الكتاب: حال الأمة العربية 2009 2010 النهضة أو السقوط
[الكاتب: مجموعة باحثين
[الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2010
"المستقبل"




















