ما ان اعلن الدكتور محمد البرادعي، المدير السابق لوكالة الطاقة الذرية، عدم استبعاده خوض الانتخابات الرئاسية المصرية (حال توافر مجموعة من الشروط والضمانات الدولية)، حتى أثار إعلانه هذا العديد من ردات الفعل المتفاوتة مصريا وعربيا ودوليا لجهة قوتها أو ضعفها، ولجهة تأييد تلك الخطوة أو معارضتها. ومن ثم؛ كثرت التساؤلات حول جدية البرادعي تارة، ورؤيته الخاصة بإمكانية الانتقال السلمي للسلطة تارة أخرى.
وبطبيعة الحال؛ ما كان للنظام الحاكم أن يعتبر خطوة كهذه في صالحه ـ وإن أعلن على الملأ أن الترشح لمنصب الرئاسة حق لكل مصري في ضوء ما تقرره المادة 76 من الدستور المصري التي تم تعديلها أخيرا، لا لتنقل النظام الانتخابي الرئاسي من شكله الاستفتائي إلى انتخابات مباشرة ومتعددة (وإن تم ذلك شكليا) وإنما لتضع مجموعة من القيود غير المبررة في مواجهة من يرغب في الترشح لهذا المنصب خاصة إذا كان مستقلا ـ وعند هذا الحد كانت الصحف الحكومية قد شنت على الرجل حملة واسعة النطاق متهمة إياه بالأمركة تارة، وبأنه متعدد الجنسيات تارة أخرى، وبأن دعوته لإجراء تعديلات دستورية تعد قفزا على الديمقراطية المصرية من شأنها إرجاعنا إلى الوراء!
على أن الحملة لم تتوقف عند هذا الحد؛ وإنما مضت في الطريق ذاته حتى نهايته، فاتهمته بأنه "يعرف أروقة الأمم المتحدة أكثر من معرفته بشوارع القاهرة"! وحين جاء الرجل وقام بعدد من الجولات في مناطق متعددة من محافظات مصر سرعان ما شبه هؤلاء جولاته تلك بالجولات السياحية! وقد دل كل أولئك على أن تحركات البرادعي تحمل أفقا جنينيا لإمكانية إحداث إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية في بلد تراجعَ دوره عربيا ودوليا لصالح دول أخرى لا تعادل من حيث مساحتها ولا تعداد سكانها أحد أحياء القاهرة الكبرى!
والواقع أن الجدل يدور الآن ـ بعد أن استقر البرادعي في مصر وأسس الجمعية الوطنية للتغيير التي تضم ممثلين لكافة الأطياف السياسية والاجتماعية والاقتصادية ـ حول ثلاثة أمور رئيسة: أولها جديته في ضوء تصريحاته الأخيرة بأن لديه من المسؤوليات الدولية أكثر بكثير مما كان ملقى على عاتقه خلال ترؤسه وكالة الطاقة الذرية. ثانيها حجم التناقضات التي تبدو في تصريحاته، خاصة ما يتعلق منها بموقفه من جماعة الإخوان المسلمين. ثالثها رؤيته العامة في التغيير، وكيف يمكن تفعيلها، خاصة في ظل إمساك النظام الحالي بجميع خيوط اللعبة السياسية، وفي ظل تهافت أحزاب المعارضة المصرية.
وفيما يتعلق بمدى جدية البرادعي؛ يمكن القول إن الرجل يبدو حتى الآن جادا لأكثر من سبب، خاصة أن الشأن المصري لم يكن غائبا عنه، لا أثناء توليه مسؤوليات وكالة الطاقة الذرية ولا بعد خروجه منها، فهو لم ينقطع عن زيارة مصر، وشأنه شأن الكثيرين قد تراكمت لديه العديد من الشواهد والانطباعات السلبية حول التردي الملفت الذي وصلت إليه مصر في ظل النظام الحالي، إضافة إلى ما يصله من تقارير علمية سياسية واقتصادية واجتماعية تتعلق بمكانة مصر عالميا.
وهناك مؤشرات عديدة في واقع الأمر تؤكد أن مصر كانت تشغل رأس البرادعي قبل مجيئه، انشغال الرجل المهموم بوطنه وما وصل إليه، لكنه بحكم تبعات منصبه الدولي ما كان يقدر على التحدث عن أوضاع مصرـ ولا غيرها ـ الداخلية. أما بالنسبة لما يفهمه بعضهم من تصريحاته على أنها تمثل حالة من التناقض؛ فأمر يسهل رده إلى التشويه المتعمد من قبل رموز صحافة الحزب الحاكم.
وأخيرا ينطلق البرادعي في رؤيته التحديثية من سياق ونسق عام لإمكانية تحديث مسار مصر الديمقراطي، ومن رؤية علمانية للدولة المدنية، ومن بنية مؤسساتية ديمقراطية قوية على رأسها استقلال القضاء ومجلسي الشعب والشورى، ومن دستور قوي يحد من صلاحيات رئيس الدولة، وعلى ضوء ذلك التصور أو تلك الشروط يمكن لأي مصري أن يرشح نفسه أيا كانت انتماءاته السياسية والدينية، وأيا كانت خلفياته الاجتماعية والاقتصادية.
ومن هنا يمكن فهم تصريحاته الخاصة بضرورة دمج حركات الإسلام السياسي في العملية السياسية، وعن حق جماعة الإخوان المسلمين في الوصول للحكم أو غيرهم سواء الأقباط أو أو أي فصيل سياسي آخر، بغض النظر عن طبيعة توجهاته الدينية أو اللادينية، لأنه عندما يقف على رأس الدولة ويقول مثلا إنه يريد أن يطبق فهمه الخاص بالشريعة الإسلامية، تخرج له مؤسسات الدولة المدنية القوية لتواجه رغبته تلك، بل وتنحيه عن منصبه. ومن ثم، تكشف تفسيرات إعلام النظام الحاكم حول ما سمي بمغازلة البرادعي للإخوان المسلمين أو الأقباط، عن جهل برؤية الرجل، وعن قصدية التشويه حيث يتم اقتطاع مثل هذه التصريحات من سياق كلامه العام.
وختاما يبدو أن الدكتور البرادعي كان لديه بالفعل تصور معين عن إمكانية التغيير السلمي للسلطة في مصر لكنه عندما احتك بالواقع وجده أصعب مما كان يتصوره، وربما اكتشف أيضا أن توقعاته عن إرادة التغيير لدى المصريين جاءت أقل مما كان متوقعا، ليس بمعنى أن الناس في أرض مصر لا تريد التغيير، ولكن بمعنى أن ثمة قطاعات كبيرة من المجتمع المصري ليس لديها استعداد لدفع ثمن هذا التغيير فضلا عن ضعف المناخ الحاكم للحراك السياسي على مستوى المعارضة.
() أكاديمي وباحث مصري
"المستقبل"




















