تناولت "النهار" في عدد 2 حزيران 2010 أربع قراءات للدور التركي في الشرق الأوسط على خلفية القرصنة الاسرائيلية على سفن أسطول الحرية المتجهة إلى غزة والتي كانت بغير خفاء تحظى برعاية تركية شعبية ومساندة رسمية.
وسأختار فقرة من كل قراءة بالتتابع في محاولة لتقديم صورة أخرى غير مرئية للدور التركي ما إذا كان مرسوماً سلفاً أو انه يرتسم حاليا وتساهم فيه الأحداث. واقتربت القراءات الاربع بالاستناد إلى الرأي الأخير مع ملاحظة ان قراءة الزميل جهاد الزين أشارت بشكل واضح إلى المأزق الذي وقعت فيه أنقرة وخسائرها المحتملة جراء ذلك.ويقول في مقاله الذي حمل عنوان "الجريمة اسرائيلية لكن المأزق تركي" :"تأجل الآن إلى أمد غير معروف،إن لم يكن مات، مشروع الوساطة التركية بين اسرائيل وسوريا"، ويضيف "لا شك ان دورا تركيا بين الفلسطينيين، خصوصا حماس، واسرائيل أصبح غير ممكن في الظرف الحالي".
في القراءة الثانية، التي جاءت تحت عنوان "تركيا في مواجهتين" بقلم محمد ابرهيم، أشار الكاتب في ختام مقاله إلى الدور التركي بالقول: "ما لم يقل حتى الآن هو ان تضخيم الدور وامتداده بما لا يتناسب والامكانات الفعلية قد يشكل نقطة ضعف".
"دخلت تركيا خرجت مصر" هو عنوان قراءة امين قمورية والتي جاء فيها "اسرائيل بحماقتها الموصوفة والقاتلة كرست تركيا عدواً جديداً وفاعلا ضدها في الصراع على فلسطين، لا بل كرست نقل هذا الصراع من عربي – اسرائيلي إلى صراع شرق اوسطي – اسرائيلي".
القراءة الرابعة كانت للكتاب التركي محمد علي بيراند الذي ترجمت "النهار" مقاله عن صحيفة "حريت" وهي قراءة من داخل تركيا أكدت ان خسائر اسرائيل ستكون باهظة.
بناء على هذه الاشارات يمكن تركيب قراءة من نوع آخر أكثر جموحاً مع انفتاحها بشكل أكبر لتكون في غير محلها أيضا حالها حال أي قراءة تستند على معطيات قليلة لكن خطيرة.
-1 تركيا ناقضت المبدأ الشهير و"النجومي" الذي يقول بتصفير المشكلات، فالخلاف الناشئ مع اسرائيل يوحي أنه سيصل إلى درجة الامتياز. وهذا المبدأ بحد ذاته ليس واقعياً لأنه "التصفير" يعني تجاهل وجود مشكلة والعمل على هذا الأساس، وقليلة جدا هي المشاكل التي قامت تركيا بحلها فعليا منذ استنادها على هذا المبدأ الذي تعمل عليه مذ كان احمد داود اوغلو مستشارا لأردوغان.
-2 دخول تركيا إلى المنطقة بهذا الزخم قضى على أية آمال لتحول سوريا إلى مركز ثقل جيوستراتيجي (إقليمي) بدلا من الاختناق في موقعها الجيوسياسي كما هو حاصل الآن. وهذه النقطة أبعد ما تكون عن النقاشات الدائرة بشأن الدور التركي الجديد.وبالتالي الصراع الأساسي يدور على سوريا التي لم تتوقف منذ استقلالها عن اللعب على التناقضات الاقليمية أكثر من ان تكون طرفا في هذه التناقضات.
-3 مرحلة جديدة يتم رسمها، وهي تقضي تماما بإعادة التوظيف الاستراتيجي لدول المنطقة الكبيرة، لتحتل تركيا مكانا لها، وهذا المكان جاء على حساب دول أخرى انحسر دورها في السنوات الماضية او أنها تحيزت لطرف متورط في الصراع على حساب آخر، مثل الانحياز لـ"حماس" او لـ"فتح"… إلخ من الثنائيات المتضادة.
وإذا تحدثنا عن التأثيرات البعيدة المدى التي يمكن ان تكشف عن حقيقة تحركات تركيا في الشرق الأوسط، فإنه علينا تنحية صورة المبدأ جانباً لنقف عند صورة الشخصية السياسة. والمدخل لهذه النقطة يمكن ان يكون اوضح إذا استذكرنا أن أشد الدول الممانعة لنهج التقارب مع اسرائيل ليس بإمكانها صياغة خطاب سياسي لا توافق عليه واشنطن بصورة أو بأخرى، فهل دور تركيا الجديد بالوقوف على النقيض مع اسرائيل لا يحظى برعاية أميركية؟
الأوساط السياسية والاعلامية في تركيا ناقشت بما فيه الكفاية الأدوار المستقبلية لتركيا في الشرق الأوسط الجديد، وما جرى خلال الأشهر الأخيرة مرورا بحادثة الاعتداء على قافلة الحرية هو الاعلان غير الرسمي للدرو الجديد لتركيا. ولن نحتاج لاشارات تعجب هنا إذا استنتجنا مما يجري أن هذا الاعلان يتضمن "تركيا الناطقة الجديدة باسم قضية فلسطين والمصالح العربية التي لا تحترمها اسرائيل". الآن يجري تكريس تركيا كطرف متورط في الصراع الممتد في الشرق الأوسط، ليس فقط في فلسطين بل إيران و"حزب الله" مرورا بالعراق.
من ناحية اخرى، تركيا هي الأداة الفريدة، والتي من المثير تصديقها، والتي تمثل المعارضة الأميركية للسياسات الاسرائيلية خاصة مع مجيء إدارة الرئيس الأميركي باراك اوباما. طبعا المسألة ليست بهذا الوضوح لأنها يجب ان تكون غير واضحة،و يجب على الأدوار ان تتقدم بخفاء. هناك صورة واضحة يراها الجميع وهي عداوة على الحافة بين انقرة وتل أبيب، وهذه الصورة هي قريبة المدى بل إنها مجهرية في قربها، أما الصورة الأخرى (الأفق) فهو مشهد لا يقل إثارة عن مسلسل "وادي الذئاب" التركي، وهو تقاسم تركي اسرائيلي للمنطقة وتوزيعهما للأدوار على الآخرين تحت مرأى ومسمع واشنطن. ما يجري سيمتد بظلاله إلى سنوات طويلة مستقبلا في حال أصبح الدور التركي ملزما لها باتفاقات ومشاريع لا تستطيع التراجع عنها، لأن الأرجح انه (ربما) هذه آخر دورة برلمانية يفوز بها أردوغان وحزبه في تركيا. وهذا الاحتمال بحد ذاته سيزيد من موقع خصومه في القضم من نجاحات حزب العدالة في الخارج، بعد ان كان عدم التورط في الشرق الأوسط احد أهم مبادئ السياسة الخارجية التركية حتى حرب الخليج الثانية عام 1991، ويومها كان خرق الرئيس الراحل تورغوت اوزال لهذا المبدأ جزئياً ومحدودا اقتصر على التعاون لتأمين منطقة الملاذ الآمن لأكراد العراق. لكن اليوم أصبحت الرأسمالية المنطلقة من مناطق الأناضول الداخلية شرهة جدا. هل ملت اسرائيل من العرب ومن المخاطبين الرسميين منهم باسم الفلسطينيين؟ هل هي الأخرى تصنع دورا لتركيا لتحجز الأخيرة مكانها كوجه جديد في المسلسل الشرق الأوسطي، عدو آخر وصديق محتمل آخر يتحمل مسؤولية قراراته، يمتلك الشجاعة، لا يخشى من السلام تحت وطاة الخوف من رغبات الحشود الجماهيرية التي تصرخ عندما ترى منظر الدماء فقط؟
هذا مؤشر أخطر لو ثبتت صحته، وهو ان السلام لن يتحقق في القريب ولا في الأمد المتوسط، ولا بد من ديناميكيات جديدة للصراع، واسرائيل هي بأمس الحاجة للاعب جديد بأجندة مختلفة وحديثة ومحل ثقة للشعوب العربية، بهذه الطريقة يمكن أيضا التخفيف من احباط المحبطين وبالتالي احتمال ان يصبحوا متطرفين، بل عليهم الوقوف وانتظار تركيا، ولحين اكتشافهم انها نسخة جديدة من نموذج عربي فاشل ستكون لدى اسرائيل والآخرين أجندة أخرى.
يمكن القول: بدأ الفصل السياسي للشرق الأوسط الجديد رسمياً بعد قرب الانتهاء من الفصل العسكري بالانسحاب الأميركي من العراق. لكن، هل حاجة واشنطن إلى دول عربية فاعلة لتركيز كل ثقلها في اتجاه إيران وملفها النووي يقتضي إنتاج كل هذا السيناريو (الاحتمالي) المعقّد والمضلّل؟
(صحافي كردي)
"النهار"




















