ثمة عدد غير قليل من الإسرائيليين الطيبين، من بينهم من لا تربطه بالموساد أية صلة، دفعوا وسيدفعون ثمنا شخصيا باهظا بسبب قضية اغتيال محمود المبحوح في دبي. يبدو أن "أوري برودتسكي" الذي اعتُقل في بولندا مطلع الشهر الحالي هو واحد منهم. وبحسب الأنباء التي نشرتها وسائل الإعلام، يظهر من صيغة طلب التسليم الألماني الذي اعتُقل برودتسكي بسببه، أن السلطات القانونية الألمانية تشتبه بأنه ساعد خلية الاغتيال في الحصول على جواز سفر ألماني حقيقي.
معظم أجهزة الاستخبارات والأمن في الدول الغربية تعي جيدا المشاكل التي يعاني منها عملاء الموساد والأساليب التي يستخدمها. ومع ذلك تُفضل تلك الأجهزة غض النظر وأحيانا تقديم المساعدة للموساد عندما يقع في ورطة، لأنها معنية قبل كل شيء بالمعلومات النوعية التي يوزعهها الموساد عليها.
لكن في اللحظة التي يتم فيها الكشف عن محاولة عملية كهذه للموساد – أمام وسائل الإعلام والرأي العام في تلك الدول – تصبح أجهزة التجسس والاستخبارات عاجزة عن فعل شيء. وإذا كان ثمة ما يكفي من الأدلة لتثبيت الشبهة، تنتقل مهمة معالجة هذه الحالات إلى سلطات فرض القانون وإلى الانتربول، وهذه السلطات تعمل بما يتناسب مع الدول الديمقراطية، أي بصورة مستقلة ومن دون إملاءات من السلطة التنفيذية، اي من الحكومة التي تخضع لها وكالات الاستخبارات.
علاوة على ذلك، يجب على الحكومة، حتى لو كانت على علاقة وثيقة وحميمة جدا مع إسرائيل، الرد على ما يُعتبر من قبل وسائل الإعلام، الجمهور والوسط السياسي (لا سيما من قبل المعارضة)، مسا بالسيادة من قبل منظمة رسمية تعمل لمصلحة دولة إسرائيل. الموساد ورجاله، وفي حالات كثيرة أيضا منظومة العلاقات الديبلوماسية الإسرائيلية، يُصابون بأضرار ليس بسبب ما فعلوه، بل لأنهم اكتُشفوا، وهذا ما حصل في قضية المبحوح، الذي يُعتبر اعتقال برودتسكي في بولندا أحد ذيوله.
ليس ثمة من سبب للدخول في حال من الهستيريا. أولا، لأنه توجد فرصة جيدة لاستجابة سلطات القضاء في بولندا لطلب إسرائيل تسليمها برودتسكي من اجل التحقيق معه ومحاكمته في إسرائيل. ومن المعقول أنه في مثل هذه الحالة، ستضطر إسرائيل لأن تُظهر أنها تقوم بإجراء قضائي شفاف وناجع وربما الحكم على برودتسكي بالسجن.
لكن حتى لو تم تسليم برودتسكي إلى ألمانيا، هذا لا يعني نهاية العالم. فهو مطلوب هناك للتحقيق، وستكون سلطات القانون مرغمة على إثبات وجود نية جرمية وأفعال جنائية من قبله. وحتى لو تم العثور على أدلة تفيد أنه ساعد في الحصول على جواز سفر ألماني بذريعة واهية – فهذا ليس بندا خطيرا سيُدخله السجن لسنوات طويلة. ذلك أن الإسرائيليين الاثنين اللذين اعتُقلا بتهمة مماثلة وأُدينا في نيوزيلندا قبل عدة سنوات، حُكم عليهما بالسجن لمدة نصف عام ثم أُفرج عنهما بعد ثلاثة أشهر فقط. وحتى أنه تم تعيين أحدهما بعد الإفراج عنه مديرا كبيرا في شركة بطاقات إئتمانية كبيرة في إسرائيل.
الضرر الحقيقي ليس الضرر الذي سيصيب برودتسكي، لأنه سيخرج من هذه القضية بمساعدة بعض الأصدقاء المتبقين لنا على الحلبة الدولية وبمساعدة قانونيين محنكين. الضرر الذي نتج عن القضية الأخيرة يتمثل في التدهور الإضافي الذي أصاب صورة دولة إسرائيل ومكانتها في العالم. فقضية المبحوح وقضية أسطول السفن إلى غزة دهورا إلى حضيض خطير صورة دولة إسرائيل باعتبارها خارقة للقانون وعنفية، كما مسا بصورة الموساد والأجهزة الأمنية الأُخرى كمنظمات ناجهة، تعرف كيف تعمل وكيق تحقق نتائج في الحرب الشرية ضد الجهات المعادية لإسرائيل ولمواطنيها.
الصورة الناجعة وأحيانا المرعية التي يتمتع بها الموساد كجهاز تجسس يعرف تحقيق أهدافه وتنفيذ مهامه من دون ترك بصمات أصابعه، تُعتبر أداة عمل مهمة لهذا الجهاز؛ ولا يقل أهمية عن ذلك صورة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التي تُعتبر أداة مهمة في يد دولة إسرائيل للحصول على تأييد العالم، عندما تطلب القيام بعملية استنادا إلى معلومات وتقديرات توفرها شعبة الاستخيارات في الجيش الإسرائيلي، الموساد والشاباك. عندما تتلقى صورة الموساد وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية ضربة تلو الأُخرى، يؤدي هذا إلى المس الفعلي بأمن إسرائيل.
السؤال هو هل سيكون ممكنا منع حصول هذا المس بأمن إسرائيل حتى في ضوء تجارب الماضي. ليس هنا المكان المناسب للإجابة على هذا السؤال، لكن من الواضح أنه سيكون على مسؤولي الموساد واجب تقديم موقف إزاء ما حصل، وربما التوصل إلى خلاصة مفادها أن ما كان جيدا في الماضي لم يعد جيدا في ظل واقع العولمة والتكنولوجيا الموجودة اليوم، حيث تسلك المعلومات طريقها من قارة إلى قارة، من شرطة إلى شرطة، بسرعة الألياف البصرية والكاشف المحوسب.
على الرغم من كل ذلك، فإن الموساد ينجح، برغم بعض الاخفاقات التي ارتكبها خلال العقد الأخير، في جمع معلومات موثوقة وتنفيذ عمليات سرية في مجال التجسس والتصفية البشرية في أماكن وظروف تنجح فيها القليل من أجهزة الاستخبارات والتجسس في العالم. فلا يمكن لأي قمر صناعي ولا يمكن لأية وسيلة تكنولوجية ان تكون بديلا في حالات معينة عن العميل على الأرض. لذلك، في قضية المبحوح، على سبيل المثال، ينبغي أن نسأل ما إذا كان الهدف مناسبا وما إذا كان التخلص منه يستحق المخاطرة الكامنة في الكشف عن المنفذين. يبدو أنه حان الوقت كي تتوجه إسرائيل بسرية إلى الحكومات وأجهزة الاستخبارات الغربية التي تستفيد كثيرا من التعاون مع الموساد، وأن تطلب منها مساعدتها في إيجاد حل يحول دون حصول تعقيدات وورطات في المستقبل.
(يديعوت أحرونوت 15/6/2010)
ترجمة: عباس اسماعيل




















