بالتأكيد لم تكن إيران تراهن على الرئيس باراك أوباما ودعوته إلى الإنفتاح على الأعداء والخصوم، لتضمن عدم تعرضها لعقوبات دولية قاسية. أوباما المرشح ثم الرئيس تغير كثيراً. تراجع عن سياسة الإنفتاح التي طرحها في بداية عهده. يشبهونها في واشنطن الآن بسياسة جورج بوش. لكنها بعيدة عن تهور الكاوبوي. هي أقرب إلى جوهر سياسة «العقلاء» من المحافظين الجدد لكنها أكثر ذكاء، خصوصاً في ما يتعلق بإسرائيل. كان يمكن لبوش أن يهدد بترسانته النووية وبمئات الألوف من الجنود لوقف «أسطول الحرية» المتجّه إلى غزة. إدارة أوباما شكلت حماية ديبلوماسية للدولة العبرية واغتنمت الفرصة لتبيع الفلسطينيين شيئاً بسيطاً من حقهم في العيش، وزيارة للأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى. زيارة لا تسمن ولا تغني أهل غزة من جوعهم.
الموقف الأميركي كان متوقعاً، مؤشراته واضحة. لكن إيران فوجئت بصفعة مزدوجة من الصين وروسيا تلقتها ببرود، وصل في البداية إلى حدود اللامبالاة. مراهناتها على الصراع بين موسكو وواشنطن تنتمي إلى سبعينات وثمانينات القرن الماضي، عندما كان الإتحاد السوفياتي القطب الثاني في السياسة الدولية، وكانت له قواعده في المنطقة، يدعمها كي يعزز مواقعه وينشر أيديولوجيته. المراهنة الإيرانية، في هذا المعنى، لم تكن في محلها، لكنها مفهومة في إطار سياستها الشرق أوسطية، هذه المنطقة القائمة دولها على أساس الدين والطائفة (إسرائيل تعزز هذا التوجه).
إدراكاً منها لهذا الواقع أضافت طهران المصالح التجارية والإقتصادية إلى سياستها الدولية. كانت تراهن على أن روسيا التي استعادت، مع فلاديمير بوتين، عافيتها ونفوذها في أنحاء إمبراطوريتها السابقة وساهمت في بناء مفاعلاتها الذرية، وزودتها أسلحة، لن تتخلى عنها، خصوصاً انها تعرف، أكثر من غيرها، مدى تأخر برنامجها النووي ومدى اعتماد طهران عليها لإنجازه، فضلاً عن أنه خاضع لشروط الوكالة الدولية للطاقة. وقد تكون راهنت على جناح في الإدارة الروسية يطمح إلى استعادة نفوذ الإتحاد السوفياتي ودوره في مواجهة الولايات المتحدة. وليست قليلة المؤشرات الصادرة من موسكو في هذا الإتجاه. عارضت أي تدخل أميركي في محيطها الآسيوي. وعارضت نشر الدرع الصاروخية في محيطها الأوروبي. لكن يبدو أن الجناح الآخر، جناح الغرب، انتصر فأقدم على تأييد العقوبات، مفضلاً مصالحه مع الولايات المتحدة وأوروبا على التوجه إلى آسيا الضعيفة التي يمكن إخضاعها.
هذا عن الصفعة الروسية، أما الصفعة الصينية فكانت أكثر دوياً. بكين التي تحملت وجود السلاح النووي الهندي والباكستاني، كان يمكنها أن تتحمل برنامجاً نووياً تقول طهران أنه للأغراض السلمية. وكان يمكنها أن تستخدم ذلك ورقة في صراعها لإنهاء أحادية القطب الدولي المتمثل في الولايات المتحدة. لكنها هي الأخرى، فضلت مصالحها مع أميركا والغرب، بعدما وعدت بتعويضها نفطاً بديلاً للنفط الإيراني، فصوتت مع فرض العقوبات على طهران. صين ماو تسي تونغ انتهت. إقتصاد السوق والتطور الرأسمالي أهم من كل الأيديولوجيات بالنسبة إليها. استثماراتها الهائلة في سندات الخزانة الأميركية لا يعادلها شيء. علاقاتها مع الإتحاد الأوروبي تؤمن لها سوقاً ضخمة لمنتجاتها.
فضلت الصين وروسيا مصالحهما الإقتصادية على الأيديولوجيا. تغير العالم. اصبح الجميع أمام واقع جديد. هو واقع الرأسمالية المهيمن، على رغم نكساتها وتعثرها وأمراضها. ويهدف الضغط على إيران الى مغادرة موقعها الثوري القديم والإلتحاق بالجديد. لكن مغادرتها ستكون على حسابنا. فاستعادة موقعها في الغرب ومصالحتها مع إسرائيل ستتيحان لها امتلاك ما تشاء من الأسلحة وتعيدان لها أمجاد الشاه عندما كان شرطي الخليج.




















