إقدام إسرائيل على تشكيل لجنة تقصٍ للحقائق للتحقيق في ظروف مقتل مواطنين أتراك كانوا على متن "أسطول الحرية"، وقبول الحكومة الإسرائيلية البحث في خطوات عملية لتخفيف الحصار على غزة؛ يشكلان أهم حصيلة إيجابية مباشرة للضغط الدولي الذي تعرضت له إسرائيل في أعقاب المواجهة الدموية التي دارت بين الجيش الإسرائيلي والمحتجين على الحصار، والتي أدت الى سقوط تسعة قتلى أتراك.
ولكن المفاعيل السلبية لحادثة "أسطول الحرية" على إسرائيل أكبر وأعمق من ذلك بكثير على الصعيد الداخلي الإسرائيلي وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي.
فعلى الرغم من شبه الاجماع الإسرائيلي على الموقف الداعم لقرار الحكومة منع "أسطول الحرية" من خرق الحصار على غزة، إلا أن حوادث العنف والقتل التي وقعت على ظهر السفينة "مرمرة" شكلت موضوع نقد عنيف من جانب الصحافة الإسرائيلية على اختلاف توجهاتها للحكومة والمسؤولين. ولم يخفف من حدة هذه الانتقادات تشكيل لجنة تحقيق، فكون هذه اللجنة غير حكومية ومحدودة الصلاحيات، سيجعل من الصعب تحديد المسؤوليات عما جرى، وتالياً ملاحقة المسؤولين سواء أكانوا عسكريين أم سياسيين، مما حوّل اللجنة أيضاً موضوع نقاش وجدل بين المعلقين والسياسيين الإسرائيليين حول مدى قدرتها على جلاء الحقائق ومحاسبة المسؤولين.
ثمة إجماع داخل إسرائيل اليوم على أن الإخفاق الإسرائيلي في مواجهة "أسطول الحرية" تحول نجاحاً كاملاً حصدته حركة "حماس" على الصعد الفلسطينية والعربية والدولية. وأكبر دليل على ذلك فتح مصر معبر رفح، وتهميش أهمية المفاوضات السياسية غير المباشرة التي كان بدأها الموفد الأميركي الخاص الى المنطقة جورج ميتشل بين السلطة الفلسطينية وحكومة نتنياهو، وتحول تركيا الوسيط الفاعل من أجل تحقيق المصالحة بين حركتي "فتح" و"حماس"، ودعم الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي رفع الحصار عن غزة الذي تحول الموضوع الأساس لإهتمام العالم بأسره. من هنا فموافقة الحكومة الإسرائيلية البحث في تخفيف الحصار من دون تحقيق أي تقدم في عملية اطلاق سرح الجندي المخطوف جلعاد شاليت المحتجز لدى حركة "حماس"، هو اعتراف ضمني بانتصار "حماس" وبفشلها.
دولياً، تأتي حادثة اطلاق النار من قبل رجال البحرية الإسرائيلية على المحتجين الأتراك بعد أشهر قليلة على حادثة تورط الموساد في عملية إغتيال مسؤول "حماس" محمود المبحوح في دبي، والتي تسببت في توتير العلاقات الديبلوماسية مع أكثر من دولة أوروبية استخدم عملاء الموساد جوازات سفر مزيفة تابعة لها، مما فاقم الانتقادات الدولية الموجهة لإسرائيل، وزاد في حرجها حتى أمام حليفتها الولايات المتحدة.
لم تفضح حادثة "أسطول الحرية" فشل التفكير الإسرائيلي في استخدام القوة في مواجهة حركة احتجاج مدنية فحسب وإنما أيضاً كشفت المأزق الذي وضعت نفسها إسرائيل فيه أمام أنظار العالم بصفتها دولة محتلة، لا تقيم وزناً للقوانين الدولية، وتتصرف مثل أي "دولة مارقة". فما الذي يميز إسرائيل في نظر العالم الغربي عن كوريا الشمالية التي اقدمت على اغراق سفينة كورية جنوبية وتسببت بمقتل بحارتها، ثم قامت بتشكيل لجنة تحقيق في الحادثة؟ لقد دأبت إسرائيل طوال الأعوام الماضية على تصوير حركة "حماس" أمام انظار العالم نفسه كتنظيم إرهابي إسلامي متشدد معاد للغرب، لا يقيم وزناً لحياة المدنيين فلسطينيين واسرائيليين على حد سواء. وها هي أحداث "أسطول الحرية" تكاد تقوض كل هذه الجهود، لأن الحادثة بعكس كل التوقعات الاسرائيلية منحت "حماس" نوعاً من اعتراف دولي"بشرعيتها".
في مقال استثنائي نشرته "هآرتس" حذر الفيلسوف الفرنسي من أصل يهودي برنار هنري ليفي، إسرائيل من دوامة "الكراهية والجنون" التي أثارتها قضية "أسطول الحرية" وسط الرأي العام الدولي. وعلى الرغم من الطابع الدفاعي للمقال عن إسرائيل في وجه الهجمة الإعلامية عليها في الصحافة الأوروبية والأميركية، فإن الكاتب يعترف بأن ما فعلته إسرائيل كان عملاً "أحمق"، ويحذر من الانعكسات السلبية البعيدة المدى على إسرائيل وسط الرأي العالمي.
حتى الآن دفعت إسرائيل أثماناً سياسية واقتصادية واخلاقية مؤلمة جراء مواجهتها "اسطول الحرية" بالقوة، لكن الأهم من هذا كله أن يتحول الضغط الدولي على إسرائيل آلية حقيقية وفعالة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية في مستقبل منظور.
"النهار"




















