لم يعد هناك شيء اسمه القضية الفلسطينية. فبعد أكثر من ستين عاماً على دخول هذه العبارة قاموس السياسة العربية، تفككت القضية وتناثرت قضايا وحصصاً وأسهماً ومقاولات جرى توزيعها على الأطراف الفلسطينيين أنفسهم، وعلى «دول الطوق» العربية وتلك الأبعد، ثم دول الجوار الإقليمي مثل إيران، ولاحقاً تركيا، من دون إنكار «حقوق» القوى العظمى، الحالية والمندثرة، على مدى العقود الستة، في قيادة هؤلاء أو توجيه مساراتهم.
وكما في اسواق الأسهم والمال، يمكن بيع وشراء الحصص، وأحياناً مبادلتها بين مالكيها او تجييرها او تلزيم بعضها موقتاً، عملاً بمبدأ المنافسة وأملاً في تحسين العائدات والأرباح. وهكذا نجد ان سهم «المصالحة الوطنية» الذي مكث طويلاً في أيدي المصريين، انتقل بضغط من الطرف الممانع حركة «حماس» الى أيدي الأتراك، بعدما وافقت دمشق ايضاً على تجييره لمصلحة انقرة التي تسلمت تفويضاً بذلك، على حد تعبير رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان امام برلمان بلاده. والذريعة التي قدمت لتبرير هذا التبديل ان قيمة سهم «المصالحة» تدنت كثيراً في الآونة الاخيرة حتى لم يعد أحد يقبل التداول به، وذلك بعدما أعيت الشروط والشروط المضادة صبر القاهرة، وبعدما تداخلت محفظته مع محفظة «الحصار».
ومن الواضح ان تركيا التي دخلت السوق بقوة أخيراً، تحاول جمع ما أمكن من الأسهم والحصص لتعزيز ملاءتها الداخلية وتعويض استبعادها من عضوية الاتحاد الاوروبي. وقد لجأت في سبيل ذلك الى الاستحواذ على أكبر كم ممكن من أسهم «الحصار»، ثم أرسلت اسطولاً تمكن من رفع قيمتها الى مستويات لم يكن أهل غزة يحلمون بها. واضطر ذلك مصر الى طرح حصتها في معبر رفح مجاناً تقريباً بعدما باتت انقرة تمتلك الغالبية الساحقة من الحصص، على رغم ان ذلك أدى الى خسارة القاهرة استثمارها في الجدار الفولاذي المضاد للأنفاق.
وهناك محاولات من ايران و «حزب الله» لدخول المنافسة على سوق «الحصار» وإرسال سفن فردية، لكنها لا تزال محاولات متواضعة، وربما تصطدم برغبة مختلف المضاربين في استقرار السهم عند منحاه الحالي ومنع تدهوره.
وقبل يومين فقط، عززت انقرة اسهمها وحصصها بأن تلقت تفويضاً جديداً جاء هذه المرة من حركة «فتح»، يدعوها الى الإشراف على بورصة الانتخابات الرئاسية والتشريعية الفلسطينية بعد إنهاء الانقسام، بحسب ما ورد على لسان رئيس كتلة «فتح» البرلمانية عزام الاحمد في مؤتمر صحافي.
وبذلك تكاد تركيا تمتلك أكثرية حصص «القضية المركزية» ومتفرعاتها. لكن يبقى سهما «الاستيطان» و «اللاجئين» اللذان تحوز غالبيتهما حتى الآن «منظمة التحرير الفلسطينية»، ومقرها رام الله. وتشارك دول الشتات العربية في ملكية السهم الثاني، لكن معظمها يبدي استعداداً للمقايضة، على غرار ما حصل في البرلمان اللبناني لدى مناقشة حقوق الفلسطينيين المدنية أول من أمس.
غير ان اسرائيل، المنافس الأساسي الذي تستهدف كل هذه العمليات والتداولات اخراجه من السوق، تبدو مطمئنة حتى الآن الى ان المنافسات والتضاربات بين حملة الأسهم في الطرف الآخر لا تزال قوية الى درجة تحول دون توجيه تهديد حقيقي اليها، لا سيما بعدما تمكنت أخيراً من استعادة مكاسبها في السوق الاميركية المهمة.
"الحياة"




















