ليست له وسامة أهل الفن أو السينما، ليست له كاريزما رجال السياسة والزعماء، ليس شابا في حيوية نجوم الكرة، و لم يرث عن ابيه ملكة الخطابة ولا حسن البيان وطلاقة اللسان، وهو لا يزال يراوح في المناطق الرمادية للتردد، ولم يختبر بعد صلابة عظامه ان هي تعرضت للضغط، للّي، وربما للتكسير. ومع ذلك كله اصبح بين ليلة وضحاها النجم الاول للشباك، وتصدر واجهات الاعلام المكتوب والمرئي مذ عاد اخيرا الى القاهرة بعد غياب طويل ملوحا بعزمه، المشروط، على التنافس في الانتخابات المقبلة على منصب رئيس الجمهورية. وليس لاحد بالطبع ان ينكر ما احدثته عودة الدكتور البرادعي الى مصر من حراك ايجابي نسبي في المجتمع السياسي القاهري، كما انه ليس لأحد ان ينكر ايضا ان عودة البرادعي هذه ما كان لها ان تهز خشبة للموتى ولا حتى خيال للمآتة في اي خربة مصرية ما لم تكن الحالة الحزبية
والثقافية – السياسية في المجتمع المصري على ما هي عليه من هشاشة وضعف وتخلف.
وقد يكون من المبكر جدا اصدار احكام قيمية قاطعة بشأن ظاهرة "البردعة" او "التبردع" التي هي ظاهرة لا تخص شخص الدكتور البرادعي وحده وانما تتسع ايضا لتشمل تلك الجماعة السياسية المتباينة الالوان التي توافقت، من جهة، على المراهنة عليه، والتي تتجاذبه ايضا في ما بينها من الجهة الاخرى، فنحن لا نزال فحسب في مستهل المشهد التمهيدي لتطور وتصاعد احداث فصول نوع جديد من الدراما السياسية التي طرأت على الواقع المصري، وكان لها الفضل الذي لا ينكر في تحريك ركوده وكسر ملله ورتابته.
ورغم حداثة عهد هذه الظاهرة فإنها مع ذلك اجتذبت قراءات متعددة لها، معها وضدها، وهو حراك آخر، وليس اخيرا، يحسب ايضا في ميزان حسناتها السياسية، وتسعى هذه القراءة، الأولية بطبيعة الحال، للمساهمة في اثراء مثل هذه القراءات، ولكن من زوايا مغايرة في الرؤية والتحليل.
قد تكون مسوغات استدعاء الدكتور البرادعي لولاية مصر المحروسة هي المحور الاول في هذه القراءة، ومن المفهوم تماما ان يكون الاحساس العميق بالعجز الذاتي عن احداث الاصلاح والتغيير من داخل مصر هو السبب الاول وربما الوحيد الذى تستند اليه الجماعة السياسية التي استدعت البرادعي وتراهن عليه لاحداث ماعجزت هي عن تحقيقه سواء لاسباب تتعلق بأزمتها الذاتية التي غالبا ما تكابر في الاعتراف بها، او للاسباب الموضوعية الاخرى التي تتعلق بالقيود المقننة التي ابتدعها النظام في مصر والتي تعوّق او تعطل التحولات الضرورية نحو الاصلاح والتغيير السياسي او للسببين معا، ومثلما هي الحال في اللجؤ للغيبيات والقوى المفارقة للواقع عند وقوع الهزائم والعجز عن مواجهة تحدياتها، لجأت الجماعة السياسية في مصر لسابقة استدعاء "المخلص او المنقذ" من الخارج، ولذا كان يستوي في هذا الاستدعاء كل من محمد البرادعي او احمد زويل، وبعد اعتذار زويل جرت المراهنة على البرادعي لانه يحظى بمكانة دولية مرموقة تمنحه نوعا ما من الحصانة او الحماية الدولية التي قد تكف عنه بعضا من شر اذى منافسيه المتنفذين، بما يعني بكل صراحة حاجة الجماعة السياسية في مصر للاحتماء بمظلة دولية كعامل مؤثر في معادلة الصراع السياسي الداخلي.
والحقيقة انه باستثناء توافر هذا الشرط في الدكتور البرادعي فإنه ينكشف امام المعايير الاخرى الضرورية للنهوض بقيادة العملية التاريخية الشاقة للاصلاح والتغيير السياسي في مصر، وهي مهمة مختلفة تماما عن حقه هو وغيره في الترشح لرئاسة مصر التي توالى على ولايتها وحكمها اليونانيون والبطالمة والبيزنطيون والامويون والعباسيون والاخشيد والفاطميون والمماليك والجراكسة البحرية والبرجية والعثمانيون الاتراك والبايات والفرنسوية والانكليز وتولى حكمها حتى الامير خاير بك الجركسي الملقب بالخائن والعبد الخصي ابو المسك كافور الاخشيدي، وكان التاريخ المصري عرف، في هذا السياق، العديد من الحالات المتفاوتة التى جرى فيها استدعاء او تولية حكام على مصر، ربما كان من اهمها تأثيرا و حضورا حالة استدعاء محمد على وتوليته على حكم مصر، وقد يكون من المفيد لنا وللدكتور البرادعي وللجماعة السياسية التي ساندت استدعاءه، "استدعاء" دروس هذه التجربة المهمة من سجلات التاريخ للمقارنة معها و للتمعن فيها على ضوء الواقع الراهن. كانت تولية المصريين لمحمد علي قد حدثت في ظل شروط تاريخية مهمة من ابرزها اشتداد وطأة الازمة الداخلية التي تمثلت في عجز الولاة السابقين ( خسرو وطاهر) عن تدبير رواتب الجنود، وانتشار المجاعة الحقيقية بعد منع المماليك في الصعيد توريد الغلال والحبوب للقاهرة، وتحت وطأة جباية الضرائب التي اخرجت اول تظاهرة نسائية في مصر تهتف: "ايش تاخد من تفليسي يا برديسي"، وفي ظل مشاركة شعبية واسعة في ثورة القاهرة الاولى والثانية وبروز قيادة وطنية مصرية مدنية يتزعمها السيد عمر مكرم والمحروقي كبير التجار والشيخ عبد الله الشرقاوي وحسين السيوطي وابن شمعة شيخ الجزارين وغيرهم ممن قادوا ثورة الشعب المصري ضد المماليك والاتراك في ايار 1815. ولما اظهر محمد علي انحيازه الكبير للشعب جرى استدعاؤه وتوليته على مصر ولكن في اطار التزامه بعقد اجتماعي يدعوه لتخليص مصر من ظلم المماليك وينهاه عن فرض الضرائب دون موافقة الشعب، ولم يكن تمكين محمد علي للولاية على مصر الا خطوة في مشروعه النهضوي الكبير الذي ارسى فيه قواعد الدولة المصرية الحديثة على النسق الاوروبي، مستعينا في ذلك بخبرات عدد من جنرالات نابليون المسرحين من الخدمة وعدد من اتباع الفكر السانسيموني التحرري، وتحولت مصر بسرعة في عهده من بلد فقير ومتخلف الى دولة عصرية حديثة وقوة اقليمية كبرى بفضل مشروعه النهضوي الذي يرتكز على منظومة من الاستقرار السياسي والمجتمع المدني واعتماد التعليم العصري ومناهج العلم الحديث والتركيز على خيار التصنيع. لم يكن محمد علي اول من استدعى من الخارج ليولى على حكم مصر لكن التاريخ يذكره وحده فيما ارسل الآخرين الى مزبلته لانه الوحيد الذي كان لديه مشروع نهضوي منفتح على العصر والحداثة.
وربما وجبت الاشارة ايضا الى نموذج آخر مختلف عن استدعاء الرؤساء من الخارج كانت عرفته الجزائر في اعقاب اندلاع ازمة دستورية خلفتها استقالة الشاذلي بن جديد من رئاسة الدولة هناك ما ادى الى استدعاء محمد ابو ضياف الذي كان واحدا من قادة الثورة الجزائرية البارزين وتنصيبه رئيسا للجزائر في كانون الثاني 1992 ولم يعمر بوضياف فى منصبه هذا لأكثر من نصف عام حيث جرى اغتياله على يد ضابط صغير في الجيش الجزائري لتسود بعدها الفوضى والحرب الاهلية، قبل ان يجري استدعاء الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة من الامارات العربية فتقدم لترشيح نفسه في الانتخابات وانسحب جميع منافسيه امامه وبقي هو مرشحا وحيدا تولى بعدها رئاسته الاولى في عام 1999 قبل ان يخترق الدستور اخيرا ليواصل ولايته الثالثة على التوالي.
كانت هذه نماذج متنوعة على استدعاء مرشحين او ولاة ورؤساء من الخارج، وهي على اختلافها فإن القاسم المشترك بينها هو احتدام ازمة الحكم ما يستوجب تدخل قوى خارجية او داخلية لاستدعاء مرشح يحل هذه الازمة ويسد الفراغ ويعتلي سدة الحكم او الرئاسة، و لهذا يجب طرح السؤال الاولي عن طبيعة ودرجة نضج الازمة الداخلية قبل طرح السؤال عن ملاءمة البرادعي كمرشح مستدعى لحل هذه الازمة واعتلاء منصب رئاسة الجمهورية خاصة في دولة مركزية مثل مصر لا تزال تعيش في ظل النظام الرئاسي الذي يمنح الرئيس صلاحيات واسعة جدا وغير مقيدة بالمقارنة مع الانظمة البرلمانية التي يحظى الرئيس فيها بموقع شرفي فقط، او حتى بالمقارنة بالانظمة الرئاسية التي تقيم انواعا من التوازن بين السلطة الرئاسية والسلطات الاخرى. وقد حدث في مصر مرارا، وخاصة في تاريخها الحديث منذ 1952، ان كان لشخص رئيس الجمهورية التأثير الحاسم في تغيير سياسات مصر وتوجهاتها ليس فقط بعد توليه منصب الرئاسة ولكن ايضا في اثناء ولايته نفسها المحددة بست سنوات ولكن المفتوحة بغير عدد من المرات. ولا يوجد اي خلاف في الجماعة السياسية في مصر حول الاهمية الكبرى للاصلاح السياسي الذي يبدأ بالاصلاح الدستوري، ومع اهمية المطالب السبعة التي تضمنها البيان الاول التأسيسي "للجمعية المصرية من اجل التغيير" التي اعلنها البرادعي في اول آذار، فإنها وحدها، لا تمثل سوى اعادة استنساخ لمطالب الاحزاب الرئيسة المعارضة في مصر، وثمة امثلة عديدة معاصرة تبرهن على ان التقدم والتنمية ورفع مستوى الدخل القومي والفردي لا يمكن احرازها بالاصلاح الدستوري وحده، وكثيرا ما يجري النظر في مصر بإعجاب بالغ الى نماذج التقدم التي احرزتها الصين كبلد كبير او ماليزيا كدولة صغيرة، ولكن من دون الاشارة الى استمرار الحزب الشيوعي الصيني على رأس الدولة والنظام هناك، ومن دون الاشارة ايضا الى فترة حكم مهاتير محمد لماليزيا التي امتدت حوالي 22 عاما من 1981- 2003 وتمكن فيها، خلافا لغيره، من تحويل ماليزيا من دولة زراعية تصدر المواد الاولية الى بلد صناعي متقدم معتمدا في ذلك على اولوية الثورة التعليمية التي باتت واحدة من المداخل البديهية لاحداث هذا التقدم، ويحفظ الناس في بلاده قوله: "اذا اردت الصلاة سأذهب الى مكة واذا اردت العلم سأذهب الى اليابان". ولا يعني ذلك الانحياز لهذه النماذج وحدها وعلى حساب العديد من نماذج التقدم الاخرى والتي اختارت البدء بالاصلاح الدستوري والسياسي ولكن في اطار خيارات استراتيجية كبرى تصر على اجراء تغيير حقيقي ثقافي ومجتمعي عميق وشامل وليس مجرد علاكة عبارات شعبوية مستهلكة.
ومن المدهش حقا ان تتزامن دعوة الدكتور البرادعي ومبادرة الاحزاب الاربعة (الوفد والتجمع والجبهة والناصري)، كل على طريقته، لتعديل الدستور المصري، مع تصويت الغالبية من اعضاء الجمعية العمومية لمجلس الدولة ونادي القضاة بمعارضة تعيين مواطنات مصريات قاضيات، ومن الاكثر ادهاشا ان لا يستدل على وجود علاقة ناظمة بين الحدثين، فالقضاة كانوا دائما هم حراس الدستور وحماة القانون وضمانة صيانة حقوق المواطنة المتساوية بين جميع المصريين بلا ادنى شبهة في التمييز بسبب الجنس او الدين او النوع او الفكر والاعتقاد، ولا يوجد اي جدوى من الجهد المبذول لاجراء تعديلات اكثر ديموقراطية على الدستور المصري اذا لم يبذل جهد اولي تنويري ثقافي ومجتمعي لتغيير مضمون الثقافة السياسية الاصولية السائدة التي تقدم الدولة الدينية على الدولة المدنية، والتي تخلط سيادة القانون بفوضى الافتاء، والتي تؤخر العقل وتقدم النقل. وفي ظل غياب الاحزاب والدولة وسكوتهما معا على زحف وغزو هذه الثقافة وتلك الافكار جرى اختراق قطاعات غير قليلة حتى من القضاة، ولم يكن تمييز هؤلاء ضد المرأة كمواطنة مصرية هو المظهر الاول و الوحيد على عمق هذه الازمة الثقافية المجتمعية، فقد تداولت الصحف اخبار سوابق اخرى اعتدى فيها بعض القضاة على الدستور وميزوا دينيا بين المواطنين المصريين، وحتى وان كانت هذه حالات فردية فإنها في ظل السكوت عليها يمكن ان تتكاثر كالفطر في البيئة العفنة وتتحول واحدة من اخطر الظواهر التى تنخر نخاع المجتمع المصري، لأن السؤال وقتها سيكون عمّن سيحمي الحقوق الدستورية الاساسية للمواطن قبل البحث في تطوير حقوقه السياسية والديموقراطية، وربما لهذا تبدو المشكلة الحقيقية للتغيير في مصر اكثر عمقا واتساعا و تعقيدا، لأن الازمة كما في الحكم كما في المعارضة، وكما في المتهم كما في القاضي، وكما في النخبة كما هي ايضا في المجتمع، ولهذا يجب عدم اختزالها فقط في تعديل الدستور او في استدعاء المنقذ: الوريث او الجنرال او الامام الغائب او الموظف الدولي المرموق.
(كاتب مصري)
"النهار"




















