للنعال والاحذية حيز كبير في الروايات العراقية، ولعل اشهرها في التاريخ حذاء ابو القاسم الطنبوري الذي حظي بشهرة واسعة في الثقافة العربية بعدما كاد ان يتسبب بتدمير حياة صاحبه التاجر البغدادي الغني – البخيل. وظل هذا الحذاء متربعا على عرش النعال العراقية الى ان خلعه عن مكانته حذاء "ابو تحسين" الذي التقطته عدسات وسائل الاعلام الدولية وهو يهوي بيد صاحبه على صورة عملاقة لصدام حسين قبل ان تسقط بغداد بساعات. ليصير هو الحدث وليؤذن بانتقال العراق من حقبة الى اخرى.
لكن اي حذاء لم يصل الى النجومية العالمية المطلقة التي وصل اليها بسرعة قياسية حذاء منتظر الزيدي. فعلى رغم اخفاق صاحبه في اصابة الرئيس جورج بوش امام الكاميرات المنصوبة، فانه صار اشهر حذاء في التاريخ ويتفوق على حذاء خروتشيف وحذاء فان غوغ، وبات يمكن ان يطلق عليه اسم "الحذاء الالماس" بعدما استأثر لاعبو كرة القدم بـ"الاحذية الذهبية" وكان آخرهم اللاعب البرتغالي كريستيانو رونالدو.
ونجومية حذاء الزيدي لم تأت من نوعية الحذاء، او حجمه، ولا من قيمته المادية التي ارتفعت كالصاروخ في يوم وليلة، ولا لانه احتل صدارة الاخبار في العالم، ولا لانه صار الشغل الشاغل لمتتبعي الانترنت و"اليوتيوب" والرسائل الهاتفية القصيرة، ولا لانه احتل بسرعة قياسية المرتبة الاولى على محرك "غوغل"، ولا لانه قسم العرب اثنين: قسماً اعتبر ان الحدث اعاد اليهم بعض كرامتهم المهدورة، وقسماً آخر اعتبر ان مثل هذه الفعلة تنتقص من كرامتهم وتمس قيمهم. ولا لانه تحول نبعاً للنكات، بل لانه ادخل بوش التاريخ من باب واخرجه من بقية الابواب.
فعادة يمكن ان يخرج رئيس دولة من السلطة بـ"خفي حنين"، لكنها المرة الاولى في تاريخ اميركا يغادر فيها رئيس السلطة بضربة حذاء، وبتوديع "لائق" في بلد يدعي هو انه "حرره" من الديكتاتورية و"بنى" ديموقراطيته الحديثة!
وهكذا فاننا امام رئيس يخرج من التاريخ ويدخل في المقابل حذاء.
ان ما فعله منتظر الزيدي عندما رمى فردتي حذائه في وجه رئيس دولة، قد يرى فيه البعض عملا غريبا عن اخلاق الصحافيين وبعيدا من المهنية او مخالفا لاصول الضيافة، اذ يحق للصحافيين ان يشهروا اقلامهم مهما بلغت حدتها في وجه الخصوم ومن يعتبرونهم اعداء للوطن لا ان يشهروا احذيتهم مهما يكن الظرف والسبب.
لكن ما يسري على اي مكان في العالم لا يسري بالضرورة على العراق بعدما استباح الاحتلال كل شيء فيه مما جعل كل شيء مباحاً ضده وخارج اي عقل. فأي كلمة، مهما بلغت معانيها، لم تعد قادرة على استعادة وطن دمر عن بكرة ابيه. واي قلم مهما بلغ زخمه ليعجز عن بث الحياة في جثة طفل، واي تنديد مهما يكن قويا لن يعيد بناء منزل.
ان ما حصل في العراق في السنوات الخمس الماضية خرج من اي منطق، فكيف للامنطق ان يواجه بمنطق؟
بلد تعرض للغزو، واقر المحتل بانه غزاه استنادا الى معلومات استخباراتية خاطئة لكنه بدلا من ان يصحح الخطأ واصل الاحتلال وامعن في التخريب والتدمير.
بلد ادعى المحتل انه جاء اليه لبناء الديموقراطية فيه بعدما عانى طويلا من الديكتاتورية. ولكن، في غضون سنوات قليلة، كان عشر سكانه من الاموات بسكاكين "الديموقراطية المزدهرة طائفيا"، وثلثهم في عداد الهاربين من السجل الناصع لحقوق الانسان.
بلد جاءه الاجنبي بحجة حماية اهله وخيراته المهدورة، وكانت النتيجة مئات الآلاف من القتلى والمصابين، واستباحة للموارد لم يشهد مثلها من قبل، و"ارتقاء" بالعراق الى مرتبة الدولة الاكثر فساداً والاكثر خطورة في العالم، فهل يمكن ان يُسأل الزيدي عن "الحكمة" و"المنطق" في ما فعله؟
ربما يتعين على الاميركيين ان يبادروا الى سن تشريع يتيح لهم شطب اسم جورج بوش الابن من سجل الرؤساء الذين خلفوا جورج واشنطن وابرهام لينكولن لانه لم يسئ احد لاميركا كما اساء اليها هذا الرجل. وربما ايضا يتعين على الحكومة العراقية الحالية ان تخفي حذاء الزيدي من الوجود حتى لا يتحول معلماً من المعالم العراقية الشهيرة يؤرق عيشها.




















