يمضي الركود في إعاقة الاقتصاد الاميركي، مع اظهار آخر البيانات الاقتصادية تراجع مشاريع الاسكان الأميركية الجديدة ورخص البناء إلى مستويات قياسية منخفضة في تشرين الثاني، وانخفاض مؤشر الاسعار الاستهلاكية الاميركية بنسبة 1,7 في المئة في الشهر عينه، في أقوى تراجع منذ اعلانه الاول عام 1947، الامر الذي يزيد الضغط على الاحتياط الفيديرالي الاميركي الذي واصل اجتماعات بدأها الاثنين في شأن السياسة النقدية والتي يتوقع في ختامها ان تخفض نسبة الفائدة الرئيسية المحددة الان بواحد في المئة، الى ادنى مستوى لها على الاطلاق، سعياً الى بث نفحة من الاوكسيجين في اقتصاد يعاني تبعات أزمة القروض العقارية العالية المخاطر.
ووسط حال الانكماش الاقتصادي التي تسود الاقتصادات المتقدمة كما الناشئة، يتوقع ان تقرر منظمة البلدان المصدرة للنفط "اوبيك" اليوم خفضا كبييرا لانتاجها في محاولة جريئة لتعزيز أسعار النفط، فيما ينخفض الطلب ويزداد مخزون النفط في دول العالم.
وتوقع وزير البترول والثروة المعدنية السعودي علي النعيمي خفض إنتاج "أوبيك" نحو مليوني برميل يوميا في اجتماع اليوم. وأبلغ الى الصحافيين أن العرض لا يزال يتجاوز الطلب، وأن المخزونات أعلى من معدلاتها الطبيعية، مشيرا الى أن تحقيق التوازن يقتضي خفضاً بنحو مليوني برميل يومياً في هذا الاجتماع. وسئل عن إنتاج المملكة، فأجاب بأن السعودية خفضت 1,2 مليون برميل يوميا منذ آب إلى تشرين الثاني ليصل انتاجها إلى 8,5 ملايين برميل يومياً من 9,7 ملايين برميل يوميا. وتوقع خفض الإنتاج من خارج "أوبيك" أيضاً بما يصل إلى 600 ألف برميل يومياً.
وقالت "أوبيك" في تقريرها الشهري إن الانخفاض الأول للطلب العالمي على النفط منذ 25 سنة سيقلص على نحو حاد الحاجة الى انتاج المنظمة من النفط السنة المقبلة. وتوقعت أن ينخفض الطلب على نفطها 1,4 مليون برميل يوميا في المتوسط في 2009، وأن يشهد النصف الاول من السنة انخفاضا أكبر.
ومن المنتظر أن ينخفض الطلب العالمي على النفط 150 ألف برميل يومياً في المتوسط إلى 85,7 مليون برميل يوميا بسبب تباطؤ الاقتصاد العالمي.
السيارات
في غضون ذلك، سعى البيت الابيض الى تقليل احتمالات اعلان خطة انقاذ سريعة لقطاع السيارات المتعسر، منبهاً الى أن اي اتفاق يتعلق بانفاق أموال المكلفين يتطلب "تنازلات" من الجميع.
وغداة تصريح الرئيس الاميركي جورج بوش بأن حزمة انقاذ القطاع قد تعتمد قريباً، نظراً الى أن "افلاساً لهذه الصناعة قد يكون مدمرا للاقتصاد الاميركي"، صرحت الناطقة باسم البيت الابيض دانا بيرينو: "على (الصانعين) ان يصيروا شركات قابلة للحياة وقادرة على المنافسة مستقبلاً، لذا، على الاطراف المعنيين ان يقدموا تنازلات"، في اشارة الى الادارات والنقابات. واضافت انها لا تملك معلومات عن "اعلان وشيك" ستدلي به ادارة بوش عن طريقة انقاذ صناعة السيارات، و"نأخذ وقتنا ونجري تقويماً لكل الخيارات للقيام بالامور كما ينبغي".
وكانت شركتا "جنرال موتورز " و"كرايسلر" قالتا إن سيولتهما قد تنفد في غضون أسابيع اذا لم تحصلا على مساعدة، فيما تقول "فورد" إن سيولتها تكفيها لسنة 2009.
وأعلنت الادارة الاميركية أنها ستمد يد المساعدة الى صانعي السيارات الاميركية، بعدما أحبط مجلس الشيوخ الاسبوع الماضي خطة انقاذ للقطاع قيمتها 14 مليار دولار .
ويبدو أن انهيار شركات ديترويت سيكون له تأثير سلبي قوي في كندا حيث أفادت دراسة للمجلس الصناعي في أونتاريو أن افلاس الشركات الثلاث سيفقد نحو 600 الف كندي وظائفهم خلال خمس سنوات، غالبيتهم في أونتاريو. وحذرت من أن انهيار "جنرال موتورز" و"كرايسلر" و"فورد" ستكون له اثار في كل البلاد، إذ سيلحق اضراراً بالمقرضين وصانعي قطع السيارات والوكلاء.
الاستهلاك والاسكان
والى شبح افلاس "الثلاث الكبرى" الذي يرخي بثقله على الاقتصاد الاميركي، تتواصل المؤشرات الكئيبة عن الاقتصاد الاميركي، إذ أظهر تقرير وزارة العمل الأميركية تراجع مؤشر الأسعار الاستهلاكية في البلاد بنسبة 1,7 في المئة في تشرين الثاني الماضي. وأشار إلى أن أسعار المواد الخام تراجعت مع تنامي تداعيات الازمة المالية العالمية، وهو ما قلص مستويات إنفاق المستهلك وتاليا تراجع الطلب.
وهذا الشهر الثاني على التوالي يشهد انخفاضاً قياسياً في البيانات المعدلة فصلياً لمؤشر الاسعار الاستهلاكية منذ بدأت وزارة العمل تسجيل الارقام عام 1947 .
وفي قطاع الاسكان، تراجع عدد المشاريع التي بدأ تنفيذها 18,9 في المئة إلى معدل سنوي بلغ 625 ألف وحدة من 771 ألف وحدة في تشرين الأول.
وتراجعت رخص البناء الجديدة التي تعطي مؤشرا أولياً لاتجاه تشييد المساكن 15,6 في المئة إلى 616 ألف وحدة من 730 ألف وحدة في تشرين الاول.
منطقة الاورو
وخارج أميركا، تواصل الازمة المالية فتكها بالاقتصادات الكبرى، إذ انخفض عدد العاملين في منطقة الاورو للمرة الاولى على أساس ربع سنوي في الفترة من تموز إلى أيلول، مما يشير إلى ضعف أكبر في طلب المستهلكين ويعزز احتمالات أن يخفض المصرف المركزي الأوروبي سعر الفائدة.
وقال مكتب احصاءات الاتحاد الأوروبي "أوروستات" إن العمالة انخفضت بنسبة 0,1 في المئة من القوى العاملة أي 80 الف عامل، مقارنة بالربع الثاني من هذه السنة، إلى 146,1 مليون عامل، متأثرة بتراجع العمالة في اسبانيا والبرتغال وفنلندا.
وهذا اول انخفاض ربع سنوي منذ بدأ "أوروستات" تسجيل هذه البيانات عام 1995.
وفي الاتحاد الأوروبي بكامله الذي يضم 27 دولة، ظل مستوى العمالة مستقرا في الربع الثالث مقارنة بالربع الثاني عند 226,7 مليون عامل.
وفي منطقة الاورو انخفضت العمالة بنسبة 0,8 في المئة في اسبانيا في الربع الثالث، و0,7 في المئة في البرتغال و0,2 في المئة في فنلندا. وارتفعت العمالة في المانيا، أكبر اقتصاد في منطقة الاورو بنسبة 0,3 في المئة في الربع الثالث، في حين استقرت في فرنسا وايطاليا، ثاني وثالث أكبر اقتصاد في المنطقة على التوالي.
وفي موسكو، قال متعاملون إن المصرف المركزي الروسي أنفق نحو خمسة مليارات دولار لدعم الروبل، وأن سعر الصرف تعرض لضغوط من جراء التوقعات لخفض جديد لقيمة العملة في الأيام القريبة.
اسرائيل
وفي تل أبيب، توقع صندوق النقد الدولي ان يتباطأ نمو الاقتصاد الإسرائيلي سنة 2009، ودعا إلى تخفيف أكبر للسياسة النقدية وإلى موازنة أكثر مرونة في الأجل القصير وإلى تعهد لخفض الدين العام في الأجل المتوسط.
وقال في تقريره الأولي عن الاقتصاد الإسرائيلي إن الناتج المحلي الاجمالي سينمو بمعدل 1,5 في المئة سنة 2009 متماشياً مع توقعات المصرف المركزي الاسرائيلي، ومنخفضا بشدة عن النمو المتوقع لسنة 2008 بمعدل 4,25 في المئة.
وأضاف: "سيتحسن النمو بعض الشيء سنة 2010"، مقدرا أن يبلغ 2,5 في المئة. ومع تأهب المستثمرين لخفض سعر الفائدة في الولايات المتحدة، أقفلت الأسهم الأوروبية على ارتفاع.
فزاد مؤشر "يوروفرست 300" لأسهم الشركات الأوروبية الكبرى 0,8 في المئة ليقفل بحسب بيانات غير رسمية عند 833,83 نقطة وذلك بعدما صعد في وقت سابق من الجلسة الى واحد في المئة.
السعودية
وقبيل قرار الاحتياط الفيديرالي الاميركي في شأن الفائدة، خفضت السعودية أسعار الفائدة في سعيها الى دعم السيولة، لكن الإمارات العربية المتحدة قالت انها لن تتخذ خطوة مماثلة في الوقت الحاضر.
وقالت مؤسسة النقد العربي السعودي (المصرف المركزي) إنها خفضت سعر العائد على اتفاقات إعادة الشراء بواقع نصف نقطة مئوية إلى 2,5 في المئة، وهو رابع خفض لسعر الاقراض الرئيسي منذ تفاقم الأزمة المالية العالمية في تشرين الأول الماضي.
تقليص الوظائف
وتتواصل موجة تقليص الوظائف حول العالم.
وأعلنت شركة "فيات" الايطالية للسيارات أنها ستقفل أكثر مصانعها في ايطاليا شهراً، مسرحة نحو 48 الف عامل، لتتكيف مع التراجع الحاد للطلب على سيارات جديدة.
ويشمل الاقفال الذي يمتد الى منتصف كانون الثاني 2009 نحو 20 مصنعاً ايطاليا، و48 الف عامل من نحو 80 الف عامل يشكلون القوى العاملة الايطالية للشركة.
وأعلنت الوحدة الاستثمارية في مصرف "بي ان باريبا" الفرنسي خسارتها 710 ملايين أورو (970,1 مليون دولار) في الاشهر الـ11 الاولى من هذه السنة، وانها يمكن أن تقلص وظائفها بنسبة خمسة في المئة، أو ما يعادل 700 وظيفة.
وبدأ صحافيو وكالة "الاسوشيتد برس" الاميركية اضرابا عن توقيع اخبارهم، احتجاجا على اجراءات التقشف التي اقترحتها الادارة.
وقال رئيس نقابة صحافيي الوكالة طوني ونستون ان "الموظفين يدركون صعوبة هذه المرحلة، لكنهم يفهمون ايضا ان الصحافة ذات النوعية لدى اسوشيتد برس تقتضي جذب افضل العاملين والحفاظ عليهم".
وتتفاوض ادارة الوكالة والنقابة منذ 21 تشرين الاول، وسبق لها ان اقترحت تجميد الرواتب سنة ثم زيادتها بنسبة اثنين في المئة. لكن النقابة تطالب بزيادة عشرة في المئة وتبدي استعدادا لابداء مرونة.
وبموجب قرار النقابة التي تؤكد انها تمثل 1400 موظف من محرري الوكالة، لن تحمل الاخبار التي تبثها الوكالة تواقيع كتابها بعد اليوم.
وواجهت الوكالة الاميركية خلال الاشهر الاخيرة تراجعاً في عدد زبائنها، حين أرادت زيادة تعرفتها، فيما تعاني الصحافة التقليدية صعوبات كبيرة.
و ص ف، رويترز، أ ب، أ ش أ، ي ب أ




















