لقيت دعوة رئيس الوزراء الإسباني " خوسي لويس ثباتيرو" استجابة ورواجاً متزايدين، حين أعلن من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، خلال دورتها التاسعة والخمسين ليوم 22 أيلول 2004، عن فكرة " تحالف الحضارات" (Alliance of civilizations)، في مسعى منه إلى حثِّ البلدان العربية والدول الغربية على مواجهة الإرهاب بالوسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، خلافاً لمنهجية "الحرب على الإرهاب" التي سوَّق لها الرئيس الأميركي السابق "ج. بوش" بواسطة القوة العسكرية دون سواها. فهكذا، دعَّمت " منظمة المؤتمر الإسلامي" مباشرة المشروع، وإلى جانبها "جامعة الدول العربية"، وتسعة عشرة دولة، بما فيها فرنسا، لتنطلق الفكرة نحو التأسيس والاكتمال، بإصدار إعلان من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، أُحدِثت بمقتضاه منظمة " تحالف الحضارات" برئاسة رئيس البرتغال السابق "سامبايو" ((Jorge Sampaio لليونسكو "فريديريكو مايور"، والرئيس الإيراني السابق "خاتمي"، وصاحب جائزة نوبل للسلام " ((Desmond Tutu، ووزير الدولة التركي الأسبق " (Mehemet Aydin)، وذلك بُغية رسم إستراتيجية لبلورة مفهوم " تحالف الحضارات" في شكل خُططِ عمل قابلة للتنفيذ على أرض الواقع. ومن الجدير بالتذكير الإشارة إلى أن الأمم المتحدة أعلنت عام 1999 عن برنامج لدعم "ثقافة السلام"، قبل أن تتخذ جمعيتُها العامة قراراً بجعل 2001 سنة الأمم المتحدة لحوار الحضارات.
لم يكن " تحالفُ الحضارات" في واقع الأمر مفهوماً جديداً، ولا فكرةً أصيلةً بالمرة حين أعلن عنها رئيس الحكومة الإسبانية، كما أسلفنا القول، فقد تداولها مفكرون وباحثون عرب ومسلمون، ونظراء لهم من الغرب، بل إن المشتغلين منذ سنوات على إشكالية " حوار الحضارات" لم تكن الفكرة غريبة عنهم، ولا بعيدة عن دائرة تفكيرهم ونقاشاتهم، لأسباب معرفية، مفادها أن الحوارَ ليس هدفاً في حدِّ ذاته بقدر ما هو وسيلة لإمداد الحضارات بجسور زرع الثقة، والتفاهم، وتوفير شروط التعايش المشترك بين الشعوب والأمم مختلِفة الديانات، والثقافات، والحضارات. لذلك، يمكن اعتبار مفهوم تحالف الحضارات.
يجدر التنبُّه، من زاوية أخرى، إلى أن مفهوم " التحالف" في حدِّ ذاته ، وإن كان ثمرةَ جهود فكرية وسياسية سبقته ومهّدت لولادته، فقد فتح الباب لإشكالات معرفية ومنهجية خاصة بتكامله أو تناقضه مع مفاهيم قريبة منه أو مشابهة له، من قبيل "حوار الثقافات" و" حوار الحضارات" على سبيل المثال. ثم إن إشكالية تحديد معنى مصطلح أو مفهوم "تحالف الحضارات" يقود بالضرورة إلى إثارة الإشكاليات المعرفية المرتبطة بأطراف التحالف، والأرضيات التي تشكل موضوع ومناط تحالفهم، والوسائل التي يتوجب اعتمادها لإدراك مقاصد التحالف وأهدافه. فمن الزاوية اللغوية والاصطلاحية، يُحيل مصطلح تحالف إلى مجال مفهومي واسع النطاق، حيث يشير من ضمن ما يشير إليه إلى "اشتراك طرفين أو أكثر في حلف أو عهد، يساند أو يناصر كل طرف الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى"، وهو ما يحصل مثلاً في السياسة أو المجال العسكري والأمني. ثم إن "التحالف" في السياسة الداخلية أو الخارجية، يعني ضمنياً أو صراحة أنه موجه ضد عدو، أو خصم، أو منافس، أو إزاء خطر معين، وهو ما يشترط اتفاقاً بين المتحالفين حول الوسائل والأهداف، أي أرضية مشتركة مؤسسة على اختبارات وقناعات متوافق حولها. ويقودنا "التحالف"، بهذا المعنى، إلى التشديد على أهمية وجود حد أدنى من التجانس بين الأطراف المتحالِفة، وهو، في الواقع، تجانس مبني على طبيعة الحِلف ونوعية الخصم أو المنافِس المتحالَف ضده أو لمواجهته. إضافة إلى أن "التحالف" مفتوح على الديمومة والاستمرار، أو التوقف بحسب الأهداف المرجوة منه.
تأسيساً على ما سبق بيانُه، يطرح مفهوم " تحالف الحضارة" سُلة من الأسئلة، من أهمها: هل التحالف مقصور على العالم الغربي والعالم العربي الإسلامي؟، وهل هو تحالف ظرفي، أم ممتد في الزمن؟، وما الفرق بين " حوار الثقافات والحضارات "و" تحالف الحضارات"؟. والواقع أن هذه الأسئلة وغيرها، وهي كثيرة، تقودنا إلى التساؤل عن طبيعة التحالف بين العالمين الغربي والعربي الإسلامي. هل مقصده الرئيس التكاتف من أجل مواجهة الإرهاب؟، أم أن المبتغى لا يتوقف عند هذه القضية، على أهميتها، ويتجاوزها إلى الإشكالات ذات الصلة بالاختلالات المرتبطة بالسياقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقيمية بين المجالين التاريخيين والحضاريين، أي الغرب والشرق؟. ففي الحقيقة إذا نحن وقفنا عند ما تضمنه إعلان الأمين العام للأمم المتحدة الخاص بـ " مبادرة تحالف الحضارات"، الصادر في 14 تموز 2005، سنلاحظ أن المشروع تحالف (الحضارات) يروم مقاومة الانقسامات والأحكام المسبقة وسوء الفهم بين الثقافات العربية والإسلامية، لاسيما بعد أحداث الحادي عشر من ايلول 2001 ، حيث نمَت موجات العداء والكراهية، ركبت عليها حركات متطرفة في العالمين معاً ، وجهدت من أجل خلق هوة عميقة بين الغربيين من جهة، والعرب والمسلمين من جهة أخرى. لذلك، يبدو أن العدو المشترك بين الطرفين المناصرين لمفهوم " تحالف الحضارات"، يتحدد أساساً في من يزرع سمومَ الكراهية والتطرف، ويقوض، بالتدريج، فلسفة العيش المشترك من أساسها. أ أ لكن من المؤكد جدّاً أن مفهوم التحالف لا يستقيم ، ولن يستقيم، ويعطي نتائجه المطلوبة، إن توقف عند هذا الجانب لوحده، على الرغم من أهميته. فالتحالف مفترض فيه توسيع دائرة مقاصده لتمتد إلى الشروط المغذية لروح الكراهية والتطرف، وفي مقدمها تفكيك النظرة النمطية بين العالمين الغربي والعربي الإسلامي، وإعادة صياغتها على قاعدة الاعتراف والاحترام المتبادلين.. إن التقديم الفعلي والملموس على هذا المستوى سيجعل الدعوة إلى "تحالف الحضارات" ذات معنى، وسيمكن أنصارها من مراكمة قيمة مضافة في رحلة البحث عن أرضية مشتركة بين الشعوب، تجعل اختلاف الديانات، وتنوع الثقافات، وتباين أوزان القوة، عوامل إثراء، لا أسباب فُرقة وتناحر.
() كاتب من المغرب
"المستقبل"




















